كل الاردن | العدوان يكتب...قراءة موجزة في كتاب "المواجهة بالكتابة"
أضف إلى المفضلة
الخميس , 14 كانون الأول/ديسمبر 2017
الخميس , 14 كانون الأول/ديسمبر 2017


العدوان يكتب...قراءة موجزة في كتاب "المواجهة بالكتابة"

بقلم : موسى العدوان
15-07-2017 06:41 PM

{ثم تناول الكاتب بشيء من التفصيل محاور عديدة عشنا ظروفها دقيقة بدقيقة، من مواجهة حركات الربيع العربي، إلى تعثر مسار الإصلاح، إلى بيع مؤسسات الدولة التي شملت : عمليات الخصخصة، الفوسفات، الإسمنت، شركة أمنية، شركة الكهرباء، شركة المياه، شواطئ العقبة، قضية الكازينو، موقعي القيادة العامة وغير ذلك. تلك البيوعات والاتفاقيات تمت من قبل الليبراليين الجدد، في عهد حكومات صورية فقدت ولايتها العامة، ولم تعر انتباها لما يجري على ساحة الوطن من بيع لأصول البلد، أو انتشار الفساد بصورة غير مسبوقة، بعد أن أبطل الليبراليون فعالية الحكومات، وتخلت طوعا عن ممارسة صلاحياتها الدستورية}

 

في كتابه الذي صدر حديثا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت بعنوان ' المواجهة في الكتابة : من ملفاتي في السياسة والصحافة '، بين الصحفي والوزير السابق طاهر العدوان، صفحات من كفاحه المعنوي المرير الذي تجشمه كوزير للإعلام لفترة محدودة، وكرئيس تحرير ' لصحيفة العرب اليوم ' لثلاثة عشر عاما، مع حكومات ومسؤولين حاولوا خداع الشعب وطمس الحقائق، في قضايا مصيرية تتعلق بأمن الوطن الاقتصادي واستقراره. 


وخلال ترؤسه لتحرير الصحيفة ما بين عامي 1997 و 2011 والتي وصفها بالتحول الكبير في البنية السياسية والاقتصادية، ناضل طاهر العدوان خلالها لخلق صحيفة حرة مستقلة، وجعلها منبرا يتسع لكل الأفكار التي يعبر عنها الكتاب الأردنيون والعرب. وعليه فقد اعتمدت الصحيفة نهجا وطنيا وقوميا يتفق مع اسمها، تعمل بقناعات محرريها ولا تتلقى تعليماتها من أحد في طبيعة عملها.

وهكذا درجت الصحيفة على خدمة القضايا الوطنية والقومية، وتعظيم الكلمة الشريفة بانتهاجها خطأ مهنيا في مخاطبة الرأي العام، لزيادة الوعي وكشف الحقائق وتعرية ممارسات الفساد مهما كان مصدرها. ولهذا حققت الصحيفة نجاحا فريدا من نوعه لدى القراء لأنها كانت الأقرب إلى قلبه ووجدانه، مما شكل سابقة بين الصحف على الساحة الأردنية. لقد وقف خلف هذا النجاح محررون وكتاب تميزوا بالصدق والشجاعة.

يتألف الكتاب المشار إليه أعلاه من واحد وعشرين فصلا نشرت على اتساع 496 صفحة، غطت من خلالها فترة هامة من تاريخ الأردن الحديث وشملت بين ثناياها : تقصير الحكومات في ممارسة الولاية العامة كما وردت في الدستور، الإصلاح، الديمقراطية، الإعلام، قضايا الفساد، الليبراليين الجدد، بيع المؤسسات الوطنية، رؤساء المخابرات العامة، الانتخابات النيابية، ولاية العهد، وغيرها من القضايا ذات الاهتمام والتي سببت للمؤلف صداما مع مراكز القوى في الدولة. ولكنه واجهها بتصميم وشجاعة مؤمنا بمبادئه الوطنية والقومية التي تمسك بها طيلة حياته.

افتتح المؤلف كتابه في الصفحة الأولى بعبارات الإهداء التالية : ' إلى زوجتي وأبنائي وأحفادي . . إلى عائلتي الصغيرة والأسرة الأردنية الكبيرة، أقدم هذه الأوراق عن أحداث من الماضي القريب، يخالطها أحلام كبيرة بمستقبل سعيد، لوطن هو بيتنا جميعا'. ثم يضيف في المقدمة : ' موضوع هذا الكتاب يتابع تلك التحولات والمواجهات بأسلوب مختلف تماما. لم أتناولها من باب المفاهيم والنظريات المتقابلة في السياسة والاقتصاد، وإنما من خلال اعتقادي لسنوات طويلة، بأن الكتابة هي مرآة الحقيقة، حقيقة أي مجتمع وحقيقة النظام الذي يحكمه '.

ويلخص الكاتب رأيه في الإعلام وحرية الرأي وكسب ثقة الناس قائلا : ' لا يمكن أن تتقدم صناعة الإعلام وحرية الرأي بوجود صحافيون يرتعدون من مجرد التفكير بالمواجهة، المتسلحة بالحقائق والمعلومات مع مراكز القرار، سواء في القصر أو الحكومة أو البرلمان. إن نجاح أي صحيفة في كسب ثقة الناس والتأثير على أصحاب القرار، لا يتحقق بوجود إرادات ضعيفة ومترددة، سواء بين أصحاب رأس المال المالكين أو بين الصحافيين والإعلاميين، إنما بالإصرار على كسر القيود، ونشر الحقيقة وتعميم تداولها . . . فرأس مال بضاعتها هو الحرية والحقيقة وتقديم المعلومات الصحيحة للرأي العام. أما لغة النفاق والأخبار المملة التي تفرضها السياسات الرسمية، وكذلك كتابات الرأي العام المرعوبة فهي وصفات للفشل والاندثار '.

ثم تناول الكاتب بشيء من التفصيل محاور عديدة عشنا ظروفها دقيقة بدقيقة، من مواجهة حركات الربيع العربي، إلى تعثر مسار الإصلاح، إلى بيع مؤسسات الدولة التي شملت : عمليات الخصخصة، الفوسفات، الإسمنت، شركة أمنية، شركة الكهرباء، شركة المياه، شواطئ العقبة، قضية الكازينو، موقعي القيادة العامة وغير ذلك. تلك البيوعات والاتفاقيات تمت من قبل الليبراليين الجدد، في عهد حكومات صورية فقدت ولايتها العامة، ولم تعر انتباها لما يجري على ساحة الوطن من بيع لأصول البلد، أو انتشار الفساد بصورة غير مسبوقة، بعد أن أبطل الليبراليون فعالية الحكومات، وتخلت طوعا عن ممارسة صلاحياتها الدستورية.

وهكذا أفسحت تلك الحكومات – كما ورد في الكتاب – المجال لتلك المجموعة التي تصدرت المشهد، كي ترسم وتنفذ إستراتيجية الاقتصاد الوطني وقيادة الدولة إلى أزمات اقتصادية متعاقبة، حتى وصلت المديونية إلى أرقام خيالية في غياب مؤسسات كانت مواردها تدعم خزينة الدولة. وتحول الاعتماد في ذلك على القروض الأجنبية تحت شروط قاسية وأي مساعدات تتكرم بها علينا الدول المانحة، إضافة لجباية الضرائب من جيوب المواطنين.

لقد ناضل رئيس التحرير وفريق ( الاقتحام ) من كتاب صحيفة العرب اليوم المحترفين، ودخلوا أعشاش الدبابير مئات المرات، لنقل الأخبار الصحيحة وكتابة التحقيقات الصحفية، مدفوعين بواجبهم تجاه الوطن وإرضاء لضمائرهم الحيّة، فكشفوا الكثير من الحقائق المحزنة على أرضية فساد مشهود. فكان أولئك الكتاب شوكة في حلق الحكومات ورؤساء الأجهزة الأمنية حينذاك، فحيكت المؤامرة واستخدام كل وسيلة ممكنة لوأد صحيفة العرب اليوم الوطنية وإسكات صوتها الحر، من خلال إرسال كتابها إلى المحاكم، ومنع الإعلانات الرسمية عنها، وتهديد محرريها هاتفيا وشفويا بقطع أرزاقهم. فتمكنوا في النهاية ( مع الأسف ) من تحقيق مآربهم والإجهاز على ذلك الهرم الشامخ، أحد فروع السلطة الرابعة، وتشتيت كتابها وموظفيها. وهكذا انتصر المتآمرون وجرى إسكات صوت الضمير واختفت منارة إعلامية وطنية.

في عام 2011 عُيّن السيد طاهر العدوان وزيرا للإعلام في حكومة الدكتور معروف البخيت، مشترطا أن تعطى له حرية العمل الإعلامي المهني، حيث وضعت في وقت لاحق إستراتيجية إعلامية وطنية للدولة، تسمح بحرية الرأي وتمنع التضييق على الصحافة وحبس الصحفيين إلاّ من خلال القضاء. ولكن الحكومة كسرت هذه الإستراتيجية الأمر الذي دفع وزير الإعلام إلى تقديم استقالته والخروج من الحكومة، انسجاما مع مبادئ آمن بها وشروط تم التوافق عليها مع رئيس الحكومة إلاّ أنه لم ينفذها.

وهذه الاستقالة التي أقدم عليها طاهر العدوان من منصبه كوزير في الحكومة، هي بخلاف ما قام به العديد من الوزراء من قبله، فمجرد جلوسهم على الكرسي تنكروا لمبادئهم وماضيهم و انقلبوا 180 درجة، ليسيرون مع التيار أينما اتجه. فها نحن اليوم نشاهد تلك النوعية من الوزراء الذين يتشبثون بكراسيهم، ويتم تدويرهم من كرسي إلى آخر بنفس المستوى. أما صاحب المبدأ والموقف فيتم إبعاده عن المناصب، حتى وإن كان ابن شهيد ضحى بحياته على ثرى فلسطين عام 1948.

كتاب الوزير السابق والصحفي المحترف طاهر العدوان، يمكن اعتباره وثيقة تاريخية تستحق القراءة وأن تأخذ مكانها في المكتبات العامة والخاصة. فهو يمثل شاهدا على العصر يروي قصة وزير أردني ضحى بكرسيه من أجل مبادئه، كما يروي للأجيال القادمة قصة صراع بين من كان همه وطن يحرص عليه، وبين من كان همه إيقاع الضرر به بصورة مقصودة. تلك الممارسات الخاطئة لو جرت في دولة تحاسب المخطئين، لوجدنا العديد من أصحاب الدولة والمعالي والسعادة يقبعون اليوم وراء القضبان. إن هذا الكتاب يصلح أن يصنع منه مسلسلا يحكي قصة الأردن خلال فترة معينة لتكون درسا وعبرة للأجيال القادمة.


التعليقات

لا يوجد تعليقات
تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
لا يمكن اضافة تعليق جديد
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012