أضف إلى المفضلة
الخميس , 29 تشرين الأول/أكتوبر 2020
الخميس , 29 تشرين الأول/أكتوبر 2020


تركيا الى اين؟ “المتغطي بالامريكان عريان” كما قال حسني مبارك... د.عبدالحي زلوم

بقلم : د.عبدالحي زلوم
29-08-2018 09:53 PM

من المهم ان نبين ان الخلاف بين الولايات المتحدة وتركيا قد بدأ قبل عهد ترامب منذ ايام اوباما وذلك لبروز خلاف نتج عن تغيير استراتيجي في الولايات المتحدة بالنسبة لعلاقاتها مع الحركات الاسلامية اياً كان لونها. كذلك من المفيد أن نذكر شيئاً عن خلفية الرئيس اردوغان الذي جاء من بيت اسلامي محافظ وألّفَ ومثل واخرج مسرحية اثناء دراسته الجامعية في منتصف السبعينات من القرن الماضي بيّن فيها أن اعداء تركيا هم الماسون واليهود، والذين قادوا الثورة على الخلافة الاسلامية .
انضم اردوغان الى حزب أربكان الاسلامي منذ ذلك التاريخ الى أن وصل عن طريق الحزب الى رئاسة بلدية اسطنبول حيث ابدى تفوقاً ادارياً واخلاقياً وحلّ اكثر مشاكل اسطنبول . الا أن الجيش التركي الذي يعتبر نفسه راعياً لمبادىء اتاتورك (وكان ماسونياً ومن يهود الدونما) قام بعزل اردوغان من منصبه وتم سجنه. وقد حل الجيش حزب اربكان.
جاء المحافظون الجدد و بمبدئهم بأحادية الولايات المتحدة على العالم وبمحاربتهم لكافة الايدولوجيات المخالفة لراسماليتهم المتوحشة بما فيها الايدلوجية الاسلامية تحت مسمى محاربة الارهاب . كان هناك جناح في الولايات المتحدة يدعو الى اسلام علماني متحالف مع الامبراطورية الامريكية حيث قال وكيل وزارة الخارجية الامريكية بول ولفوويتس أن الادارة الامريكية لا تمانع باسلام سياسي على الطريقة التركية الاتاتوركية فهو اسلام علماني بل وحليف في الناتو ويتقبل المبادئ الرأسمالية الامريكية اقتصادياً وسياسياً . من هذا المنظور أو كما افترض الامريكان شكل اردوغان حزب العدالة والتنمية بالتحالف مع جماعة فتح الله غولن وهي جماعة مرتبطة بــCIA حيث تدار من بنسلفانيا بالولايات المتحدة .
مع قدوم الربيع العربي ظنت الكثير من الحركات الاسلامية بإمكان تحالفها مع الولايات المتحدة ووصلت الى الحكم . الا أن دولة الاحتلال واللوبيات الصهيونية كانت ترى في تلك الحركات تهديداً لأمنها لانها تعتبر ان الاسلام اياً كان لونه هو العدو فغيرت الولايات المتحدة استراتيجيتها . وعِبر الغرف السوداء والانقلابات حُولت اكثر دول الربيع العربي الى دول فاشلة أو في طريقها لتصبح كذلك . واسارع هنا لاقول انني لا اشكك للحظة في ارتباط اردوغان او الحركات الاسلامية الاخرى بالعمالة واعتقد ان قراءاتها كانت خاطئة لاعتقادها بإمكانية تقاطع المصالح مع الولايات المتحدة والتي كثيراً ما تلجأ الى التحالفات المرحلية. قاد اردوغان وحزبه ما يشبه المعجزة الاقتصادية التركية ولربما اكبر من توقعات الحليف الامريكي في الناتو والغرب عموماً بما لديه من اسلامفوبيا لا يتمنون من خلالها ان تصبح اي دولة مسلمة ذات قوة سياسية أو اقتصادية كما حدث مع تركيا والتي وصلت الى الاقتصاد السابع عشر الاقوى عالمياً . وخصوصاً ان اردوغان بدأ يطالب بتمثيل العالم الاسلامي بمجلس الامن الدولي كونهم يمثلون ربع سكان الكرة الارضية .
بعد الاعتداء الاسرائيلي على الباخرة التركية مرمرة بتاريخ 31 مايو 2010 ورد الفعل التركي ضد اسرائيل عبّر غولن عن رفضه لتصرفات اردوغان وكانت نقطة البداية للهجوم على نظام اردوغان وحزبه حيث بدأ بمحاولة خلخلة النظام من الداخل عبر رجالات غولن في الشرطة والقضاء ثم بمحاولة اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية سنة 2012. وبخلاف دول الربيع الاخرى اكتسبت تركيا مناعة خاصة نتيجة التحولات الاقتصادية ثم السياسية وترسيخ الديمقراطية ووجود تنظيم حزبي يرأسه قائدٌ قوي الشكيمة . لجأت الولايات المتحدة وعملاؤها الى الانقلاب الذي فشل في منتصف 2016 . ومن يقرأ اسعار صرف الليرة التركية مقابل الدولار في رسم بياني يجد بسهولة ان سعر الصرف بدأ يتراجع مباشرةً بعد محاولة الانقلاب واستمر بالتراجع سنتين الى أن تم التراجع الكبير في اغسطس بعد العقوبات الامريكية.
زادت العلاقات سوءاً بعد محاولة الانقلاب خصوصاً حينما دخلت الولايات المتحدة بالتحالف مع الاكراد واعتبر اردوغان ذلك تهديداً للامن القومي التركي. كذلك حينما طلبت تركيا شراء منظومة باتريوت للدفاع الجوي لم تستجب الولايات المتحدة فقامت تركيا بشراء منظومة S400 من روسيا مما اثار البنتاغون و التجمع العسكري الصناعي الامريكي . كذلك اعلن اردوغان انه لن يلتزم بالعقوبات الامريكية على ايران مما زاد الطين بلة . وبدأ اردوغان بمحاولة التمحور في معسكر دول البريكس حيث حضر اخر اجتماع لتلك المنظومة قبل حوالي شهر في جنوب افريقيا.
انتقل الصراع الى مستوى جديد بتصعيد الهجوم على الاقتصاد التركي . اختلف اردوغان مع توصيات صندوق النقد الدولي وابواقه حيث طلبوا رفع الفائدة . والمعلوم ان تدخلات الصندوق لا تكون في مجملها لصالح الدول بل لصالح المستثمرين الاجانب وطبقة الواحد بالمئة المتعاونة معهم من السكان المحليين . وكمثال على رفض رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد لوصفات الصندوق جاء هذا الحوار في مجلة بيزنس ويك بتاريخ 12/10/98 صفحة 72 “
سؤال لمهاتير : ولكن الحجة هي انه بعد معاناة لفترة قصيرة على المدى الطويل، فإنك ستصبح أكثر قدرة على المنافسة .
جواب مهاتير : لا استطيع تقبل هذه الفكرة . فبعد أن قتلتم شعباً كاملاً، وعدداً ضخماً من الشركات اوصلتموها إلى الانهيار، وأطحتم بكل البنوك ودمرتم الثقة بالنظام بأكمله، تقولون : ‘انتم الآن اصبحتم أقوياء ثانية ؟’ لا، ان الامور لا تفسر على هذا النحو . لقد احتاج الأمر منا 40 سنة لكي نصل إلى ما كنا عليه (قبل الأزمة ) . اما الآن فقد تمت اعادتنا إلى الوراء ما ينيف عن 25 سنة.”
كان ذلك في ازمة جنوب شرق اسيا 1997 و 1998.في تلك الازمة ارادت اندونيسيا أن تتبع نهج مهاتير محمد الا ان الرئيس الامريكي ارسل وفداً رفيع المستوى الى الرئيس سوهارتو وقال له عليك قبول برنامج صندوق النقد الدولي وكانه منزل من السماء فماذا كانت النتيجة ؟

خلال الربع الأخير من عام 1997 خسرت الروبية 40% من قيمتها ( ولكن خلال ثلاثة أيام من دخول برنامج الصندوق اليها في يناير كانون الأول فقدت 30% ).
في الأول من نوفمبر تشرين الثاني 1997 تسبب صندوق النقد الدولي في اقدام اندونيسيا على اغلاق 16 مصرفاً وتعزيز متطلبات رأس المال بالنسبة للبنوك الباقية.
افلست اوتوقفت عن الدفع 260 شركة في سوق جاكرتا المالي من اصل 282 شركة.
زادت أعداد الفقراء في اندونيسيا الى الضعف .
وانخفضت القوة الشرائية للأكثرية العظمى من الشعوب، فانخفضت (بمقياس الدولار) بـ 82% في اندونيسيا و 43% في تايلاند، و 34% في ماليزيا.

هناك عوامل ضاغطة على الاقتصاد التركي الذي عليه مديونية تعادل 460 مليار دولار يتوجب دفع جزء كبير منها هذه السنة و240 مليار دولار لسنة 2019. كذلك فالدين على الشركات التركية في القطاع الخاص يقارب 240 مليار دولار وقد يتسبب ذلك في تعثر بعض هذه الشركات نتيجة هبوط اسعار صرف الليرة .
الا أن لتركيا ميزات عديدة تساعدها على اجتياز الازمة ومنها خوف الولايات المتحدة من انتقال الازمة الى اسواقها كما حدث في ازمة المكسيك وازمة جنوب شرق اسيا والتي سببت انهيارات في اسواق كثيرة بما فيها اكبر شركة استثمار امريكية LTCM والتي كادت تهز النظام المالي العالمي من اركانه . كذلك فإن تركيا هي البوابة الواقية من قلاقل منطقة الشرق الاوسط عن اوروبا كما أن تركيا ليست لوحدها في مجابهة الخطوط الامريكية. فدول الاتحاد الاوروبي الرئيسة قد اعربت عن تآزرها مع تركيا لان 42% من صادرات و42% من مستوردات تركية هي من السوق الاوروبي . يضاف الى ذلك دول بريكس الرئيسية خصوصاً روسيا والصين وكلاهما يتعرضان لعقوبات اقتصادية امريكية .
بعد ازمة جنوب شرق اسيا كتب جورج سوروس شيخ المضاربين العالمين في مجلة نيوزويك عدد 1/2/1999 ص32 : “وحقيقة الامر فإن دول الاطراف قد قاست من تدهور هائل في اقتصاداتها بشكل غير مسبوق الا أيام الكساد الكبير. ولقد أصاب البؤس والشقاء شعوباً لبلدان بأكملها مثل اندونيسيا وتايلاند. لكن هؤلاء الناس بعيدون عن دول المركز – الولايات المتحدة وأوروبا- كما ان اقتصادات دول المركز قد استفادت بشكل كبير من مصائبهم”.
والخلاصة :
يسود النظام العالمي اليوم تغييرات جوهرية من الانتقال من مرحلة الاحادية الى الاقطاب المتعددة وما يصاحب هذه التغيرات الجوهرية من احداث . وهناك مجموعة متنامية من الدول الرافضة للممارسات الامريكية وتعمل جاهدة للخروج من عباءة نظام الدولار. وهذه التغيرات في مجملها لا تسير لصالح الولايات المتحدة . كما تقوم الدول الرافضة ببناء نظام مالي عالمي جديد يزداد قوة يوماً بعد يوم.
فرضت الولايات المتحدة عقوبات على ايران (لتغير سلوكها ) كما ادعت ، وفرضت العقوبات على الصين (لتغير سلوكها ) وفرضت العقوبات على روسيا(لتغير سلوكها). أليس الاسهل و الأفضل للعالم وحتى للشعب الامريكي ان تكون حكومة الولايات المتحدة هي التي تغير سلوكها ؟مستشار ومؤلف وباحث..رأي اليوم

التعليقات

1) تعليق بواسطة :
29-08-2018 11:57 PM

اشكرك د.زلوم على ما تتحفنا به من كتب ومن مقالات واراء واضاءات والتي احرص على قراءتها ومتابعتها

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
بقي لك 300 حرف
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012