أضف إلى المفضلة
الإثنين , 22 نيسان/أبريل 2019
الإثنين , 22 نيسان/أبريل 2019


المملكة الرابعة .. أين أصبنا وأين تعثرنا ! .

بقلم : شحادة أبو بقر العبادي
08-02-2019 09:25 PM

نتحدث جميعنا, حكومات وسلطات رسمية ومؤسسات أهلية ونخبا , عن ضرورات الإصلاح الشامل سياسيا إقتصاديا وإجتماعيا , ونسهو جميعنا تقريبا , عن حقيقة أن الإصلاح السياسي تحديدا , هو البوابة والمدخل نحو كل إصلاح آخر , وبدونه يغدو حديثنا مجرد عصف ذهني وتنظير يصيب ويخطيء , لا أكثر ولا أقل .

ليس سرا أن مملكتنا الرابعة بدأت عهدها بتوجه شامل نحو الإصلاح الإقتصادي كمشروع وطني كبير , فمنذ الأيام الأولى لتولي جلالة الملك عبدالله الثاني عرش المملكة , كان واضحا أن هم جلالته الأول والأكبر, ينصب على تحسين مستوى عيش الناس وإحداث نقلة نوعية كبرى في التطور الإقتصادي الذي يكفل تحقيق هذا الهدف المهم جدا . ومن يستحضر البدايات يلحظ كم كان جلالة الملك مهتما في تصريحاته وتوجيهاته بهذا الشأن الحيوي والأساسي والمهم جدا .

من أجل ذلك , وبناء على نصائح وإستشارات المختصين إقتصاديا , عهد إلى هؤلاء المتخصصين بوضع الخطة الكبرى وعنوانها التحول الإقتصادي نحو إشراك القطاع الخاص في إدارة دفة العمل العام , وخروج الحكومات وعلى نحو كبير من سوق النشاط الإقتصادي , وإنتهاج مبدأ التخاصية كعلاج فاعل للتباطؤ الواضح في النمو الإقتصادي , ومواجهة مشكلة البطالة التي تنتج فقرا, والذي بدوره ينتج مشكلات إجتماعية كبرى .

لا يختلف إثنان على أن التخاصية أو الخصخصة , هي حقا علاج فاعل للمرض الإقتصادي في أي مجتمع , لكنها وككل علاج , تؤخذ أو يجرى تناولها تدريجيا ووفق فترات زمنية متباعدة يتخللها التقييم وقراءة النتائج , قبل الذهاب بعيدا في تناول العلاج دون الإلتفات إلى آثاره ومضاعفاته الجانبية على جمهور الناس المتلقين للعلاج , أي' الشعب '.

وقد لا يختلف إثنان ويجب أن نقر ونعترف , بأن الخطأ الذي وقع في تعاطينا مع علاج الخصخصة , هو أننا تناولناه دفعة واحدة وفي وقت واحد وبإندفاع كبير ,لا بل وفهمناه وفقا لأولئك الخبراء , على أنه بيع للأصول والموجودات إلى المستثمرين , وليس مشاركة بينهم وبين الحكومة , أو حتى وهو الأصح , فتح تلك الأصول والموجودات للإكتتاب العام لمن يرغب من شعبنا وسواه من مستثمرين خارجيين .

هذا الأمر هو الذي أحال علاج الخصخصة الشافي لو أننا تناولناه على جرعات متباعدة يرافقها تقييم ودراسة للنتائج , إلى ما يشبه ' دواء ممرض ' إن جاز الوصف , لينتج آثارا جانبية وجوهرية سلبية أفرزت جمودا إقتصاديا وفقرا أكثر وبطالة أكبر ومديونية أكبر , وتذمرا وإحتجاجات أكثر بالتالي , ولسان حالنا , هو كحال مريض حصل على علاج من طبيب ليتناوله على جرعات متباعدة زمنيا ويراقب نتائجه , لكنه آثر تناول العلاج كله دفعة واحدة كي يشفى سريعا بحسب تقديره , ومن هنا ساءت حالته وبات بحاجة للرقود في المشفى جراء تعثر تقديره ! .

هذا بالضبط هو ما جرى في بلدنا , وكلنا نتذكر جيدا أن جلالة الملك كان وبناء على آراء الخبراء والمختصين الإقتصاديين , يدعونا إلى الصبر , بإعتبار أن النتائج الإيجابية للخصخصة تتطلب وقتا كافيا كي تظهر تباعا وتنعكس آثارها إيجابيا على حياة ومستوى عيش الناس , من وجهة نظر أولئك المتخصصين , الذين نسوا أنهم جعلونا نتناول الدواء كاملا ولمرة واحدة , فأحدث أثرا سلبيا خلافا لما كان جلالة الملك ونحن جميعا معه نريد ونتمنى .

العلامة الفارقة في مسيرتنا تلك , هي أن الملك وفي ضوء التطورات السلبية الكبرى التي شهدها الإقليم والمنطقة عموما تحت وطأة ما يسمى بالربيع العربي , وإنعكاساته السلبية جدا على بلدنا وفي سائر المجالات والإقتصاد منها , إضطر لأن يتفرغ كثيرا لقيادة سفينة البلد وسط بحر متلاطم الموج , ونجح وبإمتياز , في إخراجه سالما من أتون نار الحروب والدمار , ولا نبالغ إن قلنا , أن الملك شخصيا ووحيدا موظفا لجهوده وتعاون الجيش والأجهزة الأمنية , كان وما زال سياسيا , كمن يقود عربة وسط حقول ألغام واسعة وخطيرة جدا , ومع ذلك وبرغم صعوبة الظروف وجسامة التحديات الخارجية , فقد حقق ما يشبه المعجزة في ضمان سلامة العربة وتجنيبها كل الشرور والمطامع والمطامح , وهو أمر يسجل لجلالة الملك ببالغ التقدير والعرفان والثناء , ومعه أعوانه الجيش والأمن ! .

واقع الحال الراهن , أننا سالمون آمنون مستقرون عطفا على كبر حجم التحديات الخارجية , بفضل الله , ثم بحكمة منهجية سياسات الملك الإقليمية والدولية , لكن ذلك لا يعني أننا لا نعاني داخليا جراء معضلة إقتصادية لا يمكن التقليل من مدى خطورتها , إن لم تجد حلولا متدرجة عملية موضوعية وقوية تنهي تدريجيا آثارها السلبية الخطيرة وبلا شك , على بلدنا وشعبنا ودولتنا ! .

شخصيا , كنت وما زلت وسأبقى أكتب وأقول , أن الحل , هو في حتمية أن نقتنع وجميعا , بأن الإصلاح السياسي المعمق , هو العتبة الأولى والبوابة الأوسع , صوب الإصلاح الإقتصادي والإجتماعي الذي نتمنى جميعا حكاما ومحكومين , فالإقتصاد مولود السياسة , والإجتماع مولودهما معا , وليس هذا بالفتح الجديد على كل مفكر واع يرى بالبصيرة قبل البصر .

الإصلاح السياسي وبإختصار , يتطلب تشريعين عصريين عادلين وفاعلين ومؤثرين , الأول للأحزاب , والثاني للإنتخاب , ودونما إبطاء , تمهيدا لإجراء إنتخابات برلمانية حرة شفافة تعبر حقا عن نبض الشارع وتمثل إرادة الشعب , وتفضي إلى حكومات برلمانية كما يطالب الملك ويدعو وبإستمرار , بمشاركة حزبية بنسبة جيدة إبتداء , وقابلة للتطوير والزيادة تباعا في ضوء تقييم التجربة . والإصلاح السياسي يتطلب وعلى طريقة , 'حمل على نظاف ' , طيا نهائيا لملف الفساد المؤذي لسمعة الوطن كله , من خلال تسويات عاجلة مع كل من تطاله شبهة فساد , ودونما محاكمات طويلة تنتج ثرثرة طويلة وتشويها للسمعات , وتكفل في الوقت ذاته , إستعادة أموال كثيرة تحتاجها الدولة ومواطنوها المعذبون جراء الفقر والبطالة وغلاء الأسعار وتدني المداخيل .

والإصلاح السياسي , يتطلب الإرتقاء بالخطاب السياسي للدولة , وبما يكفل إشراك مختلف النخب الشعبية وبالذات تلك المؤهلة بفعل الخبرة والتجربة في إدارة الشؤون العامة للدولة , وإحتواء الجميع معارضين وموالين معا , وفتح الساحة لهم جميعا للتعبير عن آرائهم وبرامجهم وأنماط تفكيرهم , وعرضها بضاعة للشارع العام كي يقرر بشأنها ما يصلح وما لا يصلح, وفقا للمنهج الديمقراطي الحقيقي الذي يكتب الحياة للأقوى فكريا وبرامجيا , والإنزواء لما هو غير ذلك .

ختاما , وقبل أن أغادر , الإصلاح السياسي ليس مهمة السلطة الرسمية وحدها , بل هو مهمتنا جميعا متى تحللنا من عقدة الإرتهان لمكاسبنا ومصالحنا الشخصية , وجعلنا المصلحة الوطنية فوق كل إعتبار , ومتى مارس كل منا منهجية رجال الدولة الحقيقيين الذين يعملون من أجل وطن وشعب ودولة , لا من أجل مكاسب ذاتية وحسب ! . وفي هذا إمتحان عملي كبير للأحزاب وللبرلمان ولسائر النخب والمؤسسات الأهلية لا بل ولكل مواطن , فإما أنا فقط وبعدي الطوفان, وعندها ليس من حقي أن أتذمر , أو الوطن ومصالحه العليا والشعب ومصالحه العامة , وعندها من حقي أن أتذمر وأشكو وأعارض , إن لم تستجب السلطة الرسمية . ولست أشك في أن جلالة الملك رأس الدولة هو أول من يتمنى ذلك , لا بل ويلح في الدعوة إليه مرارا وتكرارا .

ولكم أتمنى لو تتاح الفرصة لمعارضين كثر للقاء جلالته والإستماع من صاحب الشأن مباشرة , فأنا أجزم بأن لا أحد من هؤلاء إلا ويحتفظ في ذاته بكل الإحترام والتقدير والمودة لشخص ومقام جلالته . عذرا للإطالة , والله من وراء القصد .

التعليقات

لا يوجد تعليقات
تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
لا يمكن اضافة تعليق جديد
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012