أضف إلى المفضلة
السبت , 16 شباط/فبراير 2019
السبت , 16 شباط/فبراير 2019


الأردن للفلسطينيين " نعمة " , والفلسطينيون للأردن أيضا " نعمة " . بقلم : شحاده أبو بقر العبادي

بقلم : شحادة أبو بقر العبادي
11-02-2019 06:32 AM


تحت هذا العنوان أعلاه , كنت كتبت مقالا قبل أكثر من عشرين عاما , وهو عنوان إستعاره زميل راحل رحمه الله , وكتب فيه بعد سنوات مقالا شبه مماثل لما كتبت آنذاك , تماما كمقال ' معالي الشعب الأردني ' والذي إستعاره أيضا المرحوم ذاته, وكتب مقالا تحته وبأسلوب مشابه في مرحلة لاحقة كان الكثيرون فيها , مولعون بلقب معالي , خلافا لواقع اليوم حيث خبا بريق المناصب كلها .

اليوم أرغب ثانية في الكتابة وبذات العنوان , منطلقا من قناعتين راسختين , الأولى, وجوب مخافة الله في كل ما نقول , والثانية , حتمية أن يكون الكاتب وفي كل زمان ومكان , عنصر خير إيجابيا يجمع ولا يفرق , إنسجاما مع قوله تعالى جل من قائل ' ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء , تؤتي أكلها كل حين بأمر ربها , ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ' .

وعليه , أكاد أتخيل واقع الأردن العزيز من دون مواطنيه من أصل فلسطيني , وأكاد أتخيل في المقابل , حال الفلسطينيين المهاجرين من دون وجود الأردن , أو بتعبير أدق , من دون وجود الأنصار الأردنيين , وأترك للقاريء الكريم , وللأردنيين والفلسطينيين بالذات , أن يتخيلوا الأمر في حالة صدق وصفاء نفس ! .

لم أعش حقبة النكبة الأولى عندما جرى تهجير أهل فلسطين بسطوة الغزاة وجبروت أعوانهم المستعمرين , لكنني شهدت فتى , النكبة الثانية التي أسماها العرب نكسة , وعلى هوامش ما سمعت وما شهدت من واقع النكبتين , تكونت قناعتي تباعا , بأن الفلسطينيين هم مهاجرو العصر حقا , وأن الأردنيين هم أنصاره حقا , وليت كثيرا من الجيل الراهن اليوم , يزن هذه الحقيقة بميزان من ذهب !.


وأحفظ عن ظهر قلب وقد كنت طفلا ثم فتى من قاطني بلدة ' الكرامة ' , أول مخيم في المملكة ,كيف كان أهلنا جميعنا إخوة حقا لا رياء , وأعني بها أخوة أيام زمان على صفاء وصدق أصالتها , وليس عبثا مثلا , أن أخي الأكبر رحمه الله النائب الشيخ عبدالكريم أبو بقر , كان عمدة الكرامة ونائبها, قبل أن يكون عمدة عشائرنا, وكيف كنا نجهل تماما , أن يخطر ببالنا سؤال هذا أو ذاك عن أصله وفصله, كما نفعل اليوم ولسوء حظنا معا ! .

بالصوت العالي الذي لا يخشى في الحق لومة لائم , لا حياة كريمة مكتملة الأركان للفلسطينيين المهجرين مع دوام الإحتلال البغيض , إلا في الأردن جنبا إلى جنب مع إخوانهم الأردنيين , ولا حياة كريمة مكتملة الأركان للأردنيين مع دوام أسر فلسطين , إلا جنبا إلى جنب مع إخوانهم الفلسطينيين .

وإذا ما كانت الضفتان أيام الوحدة , وكما قال الراحل المجاهد الكبير المشير حابس المجالي رحمه الله , كطائر بجناحين يستحيل أن يطير بجناح واحد , فإن الأردنيين والفلسطينيين اليوم , كأسرة كانت تسكن بيتا من غرفتين سرقت أحداهما , وتسكن اليوم غرفة واحدة , هي المملكة الأردنية الهاشمية .

قالت لنا الأمهات والنساء الطاهرات , على بساطتهن التي يحبها الله ورسوله , وأخبرنا كبار السن من أهلنا الأخيار الذين ما عرفوا للكذب ولا للنفاق طريقا مذ ولدوا حتى قضوا خيرين طاهرين , أن العشائر والقبائل والعائلات الأردنية كلها بلا إستثناء, كانت ترى في النكوص عن نجدة ونصرة الفلسطينيين ضد الغزاة , نقيصة تطارد الأردني وذريته من بعده إلى يوم الدين , إن هو قاربها , وأن الفزعة والهبة للقتال في فلسطين شرف يطوق عنق المناضل المقاتل وعشيرته وقبيلته , وإلى يوم الدين أيضا.

وقالت لنا الأيام والسنون في المقابل , أن حزننا معا عام 1970 على صدام الجيش والمقاومة , كان سببه ومحركه, فتنة أشعل نارها عرب وأجانب إستحوذوا على الفصائل مغررين بها عربا, ومتجسسين عليها وعلينا أجانبا , وسعوا لتنفيذ أجنداتهم الشريرة من خلالها , لا حبا بفلسطين ولا بالمقاومة , وإنما حقدا وكرها بالأردن وبالمقاومة معا , وسعيا ظالما تماهى فيه الأعداء المتربصون بنا , مع عرب ' أشقاء ' , أرادوا إقتلاع الدولة الأردنية من جذورها , والهيمنة على الأردن وعلى الفلسطينيين معا , وهم الذين ما قدروا الفلسطينيين يوما حق قدرهم , كما قدرهم ويقدرهم الأردن وأشقاؤهم الأردنيون بقيادة الهاشميين الكرام .

لم يتنكر الفلسطينيون للأردن وللأردنيين أبدا , وإنما كافحوا وعملوا وإجتهدوا وأسهموا كثيرا في بناء الدولة , وظالم من لا يقر بذلك , ولسان حالهم هو حال ذلك الصحابي المهاجر مع محمد صلى الله عليه وسلم , إذ أكرمه شقيقه الأنصاري وإستضافه , وخاطبه وبشهامة وطيب خاطر ليقاسمه ماله وعياله , فقال شاكرا ممتنا , فقط دلني على السوق . ذاك المهاجر , هو فلسطيني العصر , وذاك الأنصاري , هو أردني العصر كذلك .

عشنا معا حتى الآن سبعين عاما ونيف , وكل حر واع مخلص لله الواحد الأحد ولعروبته ولدينه ولإنسانيته , هو على يقين تام من أن فلسطين لا مناص من أن تتحرر يوما, ولو بعد سبعين عاما ثانية وثالثة . فقط نحن وأجيالنا المتتالية من بعدنا , مطالبون بالترفع عن نقيصة الإقليمية البغيضة التي يرويها المحتل وحماته كشجرة خبيثة يريد تسميمنا بها كل يوم , وعيونه شاخصة إلى حيث نعيش اليوم بفقرنا ومعاناتنا جراء ظلمه ومن معه , من مروجي ' الصفقات ' , والذين يعتقدون وبعقلية تجارية , أن الأوطان سلعة تباع وتشترى , ولهذا أطلقوا على خطتهم ' صفقة ' ! , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

اليوم , كلنا أردنيون , ولا فضل لأردني على أردني إلا بالتقوى , ومن إتقى الله حق تقاته , صان الأردن الوطن وحماه , بهويته الوطنية مملكة أردنية هاشمية راسخة , وظل نصيرا صادقا لفلسطين بهويتها العربية الفلسطينية, داعما ومؤازرا للصامدين الابطال على ثراها الطيب , ولو بالكلمة إن أعوزته الحاجة , وعيوننا جميعا يجب ويجب ويجب , أن تظل شاخصة صوب فلسطين وقدس الأقداس وأقصاها وقيامتها , كي نحظى بمحبة الله ونلقى وجهه الكريم يوم اللقاء , فائزين بجنته , لا مطأطئين رؤوسنا إذ تنكرنا لا قدر الله .

أقسم بالله العلي العظيم صادقا بعونه جلت قدرته , أن أسعد وأهنأ لحظات عمري على قسوته , هي لحظات أمضيها عامدا مشتاقا في شرفة منزل ولدي الدكتور مازن حفظه الله هو وإخاه وأخواته , لأقابل أضواء القدس الشريف وجبال فلسطين الحبيبة ليلا , فأصمت وأتأمل وأرى في ذلك سعادة وعبادة , وتقربا إليه جل في علاه , ولولا أخشى أن أشق عليه وأسرته الصغيرة , لقلت له بادلني وأمك سكني , كي نموت متى شاء الله هنا قبالة القدس , لكنه ولدي فلن أحرمه متعة أريدها لنفسي !! .

خلاصة الكلام , لا كرامة لعربي , والقدس وفلسطين أسيرتان , ولا كرامة لعربي , والشعب العربي الفلسطيني مهاجر قسرا عن دياره , ولا كرامة لفلسطيني قد يقبل أو يساوم أو يتخلى عن فلسطين وبغيرها يرضى وطنا نهائيا , ولا كرامة لأردني لا يناصر وينتصر لفلسطين وشعبها الرازح تحت ظلم المحتل الغازي , وإلى أن يبزغ فجر التحرير بعون الله , فنحن هنا في هذا الوطن المبارك , أردنيون وبإمتياز, نحفظ للأردن عهده ووعده , عربا طيبين طاهرين مخلصين , ليس بيننا أصول ومنابت وفصول , فكلنا من أصل وفصل ومنبت عربي واحد , ومن عنده رأي آخر, فليتحسس مدى صدق عروبته وإنسانيته . ويقينا , فنحن الأردنيين والفلسطينيين لبعضنا اليوم وكل يوم , نعمة جاد بها الله على المستضعفين له وحده , من عباده الأخيار . والله من وراء القصد .

التعليقات

لا يوجد تعليقات
تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
لا يمكن اضافة تعليق جديد
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012