أضف إلى المفضلة
الأربعاء , 21 آب/أغسطس 2019
شريط الاخبار
بحث
الأربعاء , 21 آب/أغسطس 2019


الغولة وأبو اللواف

بقلم : المهندس هاشم الزيادات العبادي
16-05-2019 03:15 PM

ذكر انني كنت بكراً لابي والذي بدوره كان بكرا لجدي ، هذه ' البكريات' حتّمت عليّ أن اعيش في اكناف جدي وجدتي كملكية خاصة لهم أو شبه أسير بالكاد أعرف لي أماً او أباً .
ويكون قيظاً ، وخرابيش وبيوت شعر تتناثر بين أشجار البلوط وعجائز وختيارية ، فالامهات والاباء إقتضت ضرورة الحصاد والشقاء ان يطاردوا لقمة العيش والجني والبيادر والهيشي في أقاصي الشفا ، وخرابيش العجائز والختيارية هي خطوط خلفية ودعم لوجستي وامداد ، وانا المدلل صبياً بين عجائز
وأظن ان رمضان قد حلّ في ذلك القيظ ، وكانت فتوى جماعية شاركت بها كل العجائز او من قاربن على هذا السن ان ' الدخان' ليس من مبطلات الصوم ، فهو ريح ليس بسائل ولا طعام ولا يدخل معدة ولا يغني من جوع ولا يروي من عطش بل ان طريقه الي ' الفشّة' ( الرئتين) مباشرة دون المرور بالمعدة
هناك فن وجمال في صنع الغلايين بل انها اشبه بالمسابقة او المبارزة ، مشرشب بالحرير ، بزجاج برتقالي او فيروزي بطول عصا تقارب المتر و عليه حفر ونحت كالهيروغلوفية ، وهيشي يتلظى داخله بين الاسود الغامق الي الاصفر الفاتح
رهط العجائز يتجمع تحت اكبر بلوطة راسخة بعمق الجذور والاصل ، وارفة الظل كغيمٍ كانوني ، يربطن اطول الحبال المغزولة بشعر ماعز مزينة بصوف كبش مرياع ، يكون ' مرجيحة' وديزني لاند التضاريس ، يتناوبن التمرجح وضحكات ونكات بعضها ينزل الي ما دون ' الصرّة' وايهم تكون مرجحتها اعلى والقهقهة لا تغيب ابدا
عجائز يتمرجحن بكل ما أوتين من طعانة في السن والمرح والضحك والدخان والصوم
وأظن ان رمضان قد غادر مع اول هلال ، وتستمر المجريات كما هي الي يوم انقطع حبل المرجيحة ب ' ريّا الجديع' اثناء محاولتها تسجيل اعلى مرجحة والذي اقعدها طريحة مقاعد الاحتياط ، وأظن انه كان هناك جدول ملزم لدوري القهوة العربية السمراء تحتل يوميا مكانها تحت ظل الشجرة جنباً الي جنب مع ' باقة الغلايين' وتستمر المرجحة والسباق الي ان يعلن الخريف قدومه فـ ' الصليب' قد حلّ ، تتجمع الخرابيش وما بداخلها على ظهور الحمير ، وكل عجوز تحمل غليونها بيمناها في رحلة الشتاء الي بيوت القرية الحجر طينية ، وتتحول المسابقات الي مسابقات ليلية في حكايا وسواليف عن ' الغولة' ، وعن ' ابو اللواف' ، والطفل المدلل يتسربل اليه النعاس كل ليلة في منتصف السولافة ويعاود الكرّة كل ليلة علّ النعاس يجافيه حتى يكمل سولافة الي نهايتها ولم يكن له ذلك بسبب فن الالقاء
وهكذا استمرت وتكررت رحلة الشتاء والصيف الي ان ظهر اول شخص جائنا من عمان تحديدا وهو يتكلم عن شيء اسمه مسجد ، من يومها العجائز غادرن واحدة تلو اخرى ، وشجرة البلوط ملّت من الانتظار
* من سلسلة ' وخز ذاكرة' كتبت منذ سنوات عدة مع تصرف بالعنوان

التعليقات

لا يوجد تعليقات
تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
بقي لك 300 حرف
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012