أضف إلى المفضلة
السبت , 07 كانون الأول/ديسمبر 2019
شريط الاخبار
بحث
السبت , 07 كانون الأول/ديسمبر 2019


راتب المرعي يكتب: وصفي، وبعد القول قول

بقلم : راتب المرعي الدبوش
28-11-2019 04:09 PM

إذا تلا الناس أشعارا على وطن

فقد تلونا على أوطاننا دمنا

في الثامن والعشرين من تشرين الثاني من العام 1971 ، استشهد في القاهرة، دولة المرحوم وصفي التل، غدرا من وراء ظهره، بأيد رخيصة قذرة، حاقدة وسوداء، أثناء مشاركته في اجتماعات مجلس الدفاع العربي المشترك؛ باعتباره، يوم ذاك، رئيسا للوزراء ووزيرا للدفاع، فارتفع الرمح الأردني، أخو عليا ، شهيدا حيا، وشاهد صدق على سقوط المتآمرين والجبناء.

***

مثّل وصفي التل نموذجا رائعا في الجرأة، والشجاعة الأدبية والمادية، وشكّل مثالا متميزا في الحس العالي بالمسؤولية، مما جعله محل الثقة المطلقة من المرحوم الملك الحسين بن طلال، ومن المواطنين الأردنيين الذين رأوا فيه مثالا ناصعا للرجولة والشجاعة، والعفة والنزاهة، ونظافة اليد، وطهارة الجيب والسلوك، ونقاء الضمير والمعتقد.

تميز المرحوم الشهيد وصفي التل، بإيمانه العميق بضرورة العمل العربي المشترك، وبنضاله منذ بدايات شبابه في سبيل القضايا العربية عموما، والقضية الفلسطينية خصوصا التي كان يعتبرها قضية العرب الأولى والأهم. وظل مؤمنا بضرورة العمل والإعداد لمواجهة الأخطار التي تواجه الأمة العربية، وخاصة الخطر الواقع على فلسطين وشعبها.

وعلى المستوى المحلي، آمن وصفي التل بجملة من المبادئ التي جعل منها نهجا للحكم الرشيد والإدارة الحصيفة، من أبرزها ربط المسؤولية بالمساءلة، وتحفيز الإمكانات المؤدية إلى دولة الإنتاج والاكتفاء؛ من خلال إطلاق العديد من المشروعات الاقتصادية والحيوية، ومن خلال تحفيز طاقات الشعب الكامنة في أريافهم وبواديهم؛ وتوفير السبل المؤدية إلى رفع إنتاجيتهم، مما لا يمكن حصره في هذه السطور.

وباختصار، لقد شكل وصفي التل في حياته واستشهاده قصة رجولة وبطولة، من حق الأردنيين والعرب الشرفاء أن يفخروا بها؛ فقد كانت فلسفته في الحكم، والسياسة، والإدارة، والحياة، تقوم على ثنائية:

قصتُنا الحـصادُ والسّهَرْ والقمحُ والرياحُ والرماحْ
فساعِدٌ يستنبتُ الثّمَرْ وساعــدٌ يُـشَرّعُ السلاحْ.

***

وبعد القول، أقول:

اغتيل وصفي التل ثلاث مرات؛ في المرة الأولى اغتالته الفئة الباغية من المرتزقة والخونة والمتآمرين، يوم أطلقوا رصاصهم اللقيط عليه.

وفي المرة الثانية، اغتالته فئة المحبين عن جهالة منهم بفكره، وسيرته، ومسيرته، وعن إغفالهم لحركة الزمان، وصيرورة المجتمع، وطبيعة الظروف التي ظهر فيها على مسرح المشهدين السياسي والإداري في الأردن.

لقد صورته فئة المحبين عن جهالة: إقليميا ضيق الإقليمية، عدوا لكل ما هو غير أردني، وتوهموا مخطئين إلى حد الخطيئة أن ذلك سر عظمة وصفي، ومكمن تميزه.

وقد دفعهم انحراف فهمهم للرجل إلى المراوحة بين أمرين غير منتجين، إن لم يكونا ضارّيْن. أولهما الاكتفاء بسرد القصص والحكايات... وثانيهما الاكتفاء بالندب واللطم والبكاء عليه في ما يصطنعون من مناحات.

وما دروا أنهم، بذلك، قد حولوا ذكرى هذا الرجل العظيم إلى مجالس عزاء: يتبارى فيها البكّاؤون الكَـذَبـَة في إظهار حبهم له وللوطن الذي عمل من أجله، بدلا من أن يستنّوا بسنّته في السلوك النظيف القويم، أو يستلهموا تجربته في الإدارة والسياسة؛ لتكون حافزا للبحث عن عشرات من مثله، وتهيئة الظروف لهم ليؤدوا أدوارهم في أزمنة متجددة، لها شروطها الموضوعية المختلفة، بالتأكيد، عما كانت عليه في زمانه.

واغتالته الطائفة الثالثة عندما توهمت صدق دعوى الفئة الثانية، ولسان حالها يقول: من فم محبيك أدينك ...

فهل رأيتم، بالله عليكم، رجلا يتم اغتياله ثلاث مرات؟ ويستشهد ثلاث مرات؟ لا لذنب جناه، بل لجهل به ممن ادّعى حبه، وممن حسده وعاداه؟

***

رحم الله (أخا العلياء)، وصفي التل، وكل أبناء الوطن الذين قضوا، قابضين على جمر عروبتهم، عربا عربا، أردنيين نشامى، ولسان حالهم يقول :

وما هيَ إلا وقفةٌ نحنُ أهلُها
وساعةُ صبرٍ للمنايا نُطيلُها
ونخرجُ منها عالياتٌ جباهُنا
وللموتِ فينا عينُ خوفٍ يُـجيلُها
فقلْ للتي عيّتْ عياءً بحقدِها
فجاشَتْ سراياها ودقّتْ طُـبولُها
بأنّا بنو أرضٍ إذا عـزّ ماؤها
سَفَحْنا دمًا حتى يُروّى مَحيلُها.

التعليقات

1) تعليق بواسطة :
28-11-2019 05:37 PM

الشهيد وصفي التل وتلميذه البار الشهيد ناهض حتر اقرب للمنهج العلمي الجدلي من مدعيه

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
بقي لك 300 حرف
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012