أضف إلى المفضلة
الإثنين , 19 نيسان/أبريل 2021
شريط الاخبار
بحث
الإثنين , 19 نيسان/أبريل 2021


من باب توما.. إلى بيت المقدس

بقلم : رشاد ابو داود
22-12-2020 06:42 AM

بيني وبين جرس الكنيسة علاقة روحية قديمة كما تلك العلاقة مع الأذان. فأحد البيوت التي سكنتها وزملائي في جامعة دمشق كان يطل على باحة كنيسة في باب توما. كانت روحي تطرب لسماع الجرس في أوقات الصلاة.
في ذلك الزمن كان الدين لله و الوطن للجميع. وكنا عرباً اخوة شركاء في الأرض والتاريخ واللغة والهموم وندرك اننا كذلك في المستقبل أيضاً. وهو ما أكده الزمن حيث لم يفرق العدو الصهيوني بين مسلم و مسيحي، وما أكده الشهداء مسلمين و مسيحيين على أرض فلسطين والأسماء كثيرة.
قبل دمشق كانت الزرقاء. فمن جناعة حيث طفولتي وصباي إلى ثانوية شبيب مسافة نصف ساعة مشياً. فتى ممتلئاً بالحيوية، بل بفائض منها، لم أعد ذاك الصبي المكبل بقيود الأب والمدرس والأخ الأكبر سناً. كنت اقول لي : أمامك ثلاث سنوات و» تتخرج « حاملاً شهادة التوجيهي لتتوجه إلى الجامعة أو إلى الجيش أو إلى دار المعلمين. طيلة تلك السنوات كانت الطريق: سكة الحديد، دير اللاتين، طلعة العتال، جامع الشيشان، مبنى البلدية، ويساراً شارع مستقيم إلى ثانوية الزرقاء التي تحضن أو يحضنها قصر شبيب التاريخي. وللتاريخ حكايا غالباً ما ننساها فنضيع في زحمة الأحداث وتفرقنا السنوات كل في طريق. ليست السنوات هي التي تفرق بل ثمة من سعى ويسعى إلى تفريقنا بسياسته «فرق تسد» وبأحقاده التاريخية.
في الطريق، وخاصة أيام الأحد، ما زال جرس كنيسة دير اللاتين منقوشاً في أرواحنا ولباس الرهبان والراهبات ينقي نفوسنا، وفراشات مدرسة الدير يبتسمن لنا ونبتسم لهن. نسير على السكة العثمانية التي كانت ذات زمن تصل وسط تركيا بالمدينة المنورة مروراً بدمشق وحيفا وعكا ونابلس وبغداد حتى انهارت الدولة العثمانية ومات القطار.
في المدرسة كنا كلنا أبناء الزرقاء، وأبناء الأردن، مسلمين ومسيحيين ودروزا، شيشانا وشركسا، فلسطينيين وأردنيين وشوام وعراقيين. لم يكن أحد منا يسأل الآخر: من أين أنت؟ ولا ما هو أصلك وفصلك؟ لم نكن بحاجة لفتوى تجيز للمسلم أن يشارك المسيحي أعياده ويهنئه بالفصح المجيد ورأس السنة الميلادية، ولم يكن المسيحي بحاجة لمن يذكره بطقوس رمضان ليشارك فيها ولا بعيد الفطر وعيد الأضحى ليرتدي أجمل ما لديه ويقول لجاره: كل عام وأنت بخير. يتناول حلوى العيد ويشرب القهوة العربية. كم كنا، ولم نزل، أخوة لا يفرق بيننا طائفية ولا عنصرية ولا جهوية.. كم كانت هويتنا واحدة وقلبنا واحد.. أتحدى أن يكون أحد منا لم يكن ينظر إلى زميله سوى نظرة الأخ لأخيه لا لشريكه كما يحلو للبعض ان يسمي العلاقة بيننا مسلمين ومسيحيين، ولوطننا سوى نظرة الحرص على ترابه من عدو واحد هو «إسرائيل». لقد قال الصهاينة في بروتوكولاتهم (حكماء صهيون): «لقد بذرنا الخلاف بين كل واحد وغيره بنشر التعصبات الدينية والقبلية خلال عشرين قرناً، وبهذا لن تجد أي حكومة منفردة سنداً لها من جاراتها حين تدعوها إلى مساعدتها ضدنا، لأن كل واحدة منها ستظن أن أي عمل ضدنا هو نكبة على كيانها الذاتي»! نحن سنبقى حذرين، موحدين، عرباً مسلمين ومسيحيين في هذا البلد الذي من جبال سلطه تطل على الأقصى وتشم بخور كنيسة المهد.
وهناك في رئتنا الثانية فلسطين اخوتنا باقون على العهد. سيبقى عيسى المسيحي في عكا يقوم الليل ليوقظ اخوته المسلمين بطبلته للسحور. وستفتح الكنائس للصلاة ويرفع منها الأذان بصوت قس مسيحي كما حدث قبل سنوات حين منع المحتل الصهيوني الأذان في المساجد.الدستور

التعليقات

لا يوجد تعليقات
تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
بقي لك 300 حرف
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012