أضف إلى المفضلة
الأحد , 10 أيار/مايو 2026
شريط الاخبار
الفيفا يسلط الضوء على صبرة والفاخوري قبل مونديال 2026 المنطقة العسكرية الجنوبية تحبط محاولة تهريب كمية من المواد المخدرة الغذاء والدواء تعلن قائمة الأدوية المحظورة خلال الحج - رايط رئيس الوزراء يشهد توقيع أوَّل اتفاقيَّة استثمار لإنتاج الأمونيا الخضراء في الأردن تمديد العمل بالإعفاءات والخصومات الضريبية ببلدية معان حتى نهاية حزيران "أشغال الزرقاء" تباشر إزالة الأكشاك المخالفة على أوتوستراد الزرقاء – المفرق الأشغال: نظام الرقابة على مشاريع الإعمار يعزز دور الجهات المانحة للتراخيص ولا يحل محلها الضمان الاجتماعي: 6 دنانير و70 قرشا مقدار الزيادة السنوية للمتقاعدين "المواصفات" تعتمد مواصفات جديدة للأجهزة الكهربائية منخفضة الفولتية أجواء دافئة حتى الأربعاء وفيات الأحد 10-5-2026 المدرب سلامي يؤكد جاهزية النشامى لكأس آسيا قرعة آسيا تضع الأردن بمجموعة قوية الجامعة الهاشمية تحصل على الاعتماد الدولي لبرنامج إعداد المعلمين CAEP وتُعزز ريادتها الأكاديمية ولي العهد: صوتوا للتعمري ابن النشامى
بحث
الأحد , 10 أيار/مايو 2026


ما كان… لا يُمحى

بقلم : الكابتن أسامه شقمان
20-04-2026 04:58 PM
خاطرة صباحية
هذا الصباح لم يكن كغيره… كان محمّلًا بذاكرةٍ استيقظت قبل أن أستيقظ، وبحكايةٍ بدأت قبل أيام قليلة، حين زرت صديقًا عزيزًا أعرفه منذ أكثر من خمسةٍ وأربعين عامًا، في بيته العامر في إسكان عالية، الأخ الكريم محمد النمروطي (أبو فارس). جلسنا في حديقة البيت، حيث الهواء يروي ما لا تقوله الكلمات، وحيث للهدوء معنى لا يُشترى.
لم نكن وحدنا… كان معنا الأخ العزيز نبيل التله (أبو السعيد)، ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد صديق، بل صفحة مشرقة من تاريخ الرياضة الأردنية، أحد أهم لاعبي كرة القدم الذين تركوا أثرًا لا يُنسى، إنسانًا بخلقه قبل إنجازه، وذاكرةً حية لزمنٍ جميل.
وبين الحديث عن الماضي، نهض أبو فارس بهدوء، وعاد يحمل جواز سفر قديمًا لوالده. فتحناه معًا، وكأننا نفتح بابًا من أبواب التاريخ. صفحاتٌ باهتة، لكنها تنبض بالحياة، تحمل اسم “فلسطين” بوضوحٍ لا يقبل التأويل. واليوم، وأنا أرفق صور هذا الجواز، أدرك أن بعض الأدلة لا يمكن إنكارها… لأنها ببساطة، كانت وما زالت.
هذا الصباح، لم أعد أرى الورق كما هو، بل أراه وطنًا… ووجودًا لا يمحوه الزمن.
خاطرة مسائية
في مساءٍ يشبه الحكايات القديمة، حيث تتسلل نسائم الليل بين الأشجار كأنها رسائل من زمنٍ آخر، وجدت نفسي أجلس في حديقة بيت أبي فارس في إسكان عالية، وكأنني لا أجلس في مكان، بل في لحظةٍ خارج الزمن. كانت السماء فوقنا صافية، لكنها لم تكن صامتة… كانت ممتلئة بتاريخٍ لا يُرى، لكنه يُحس.
جلسنا نحن الثلاثة، أنا وأبو فارس، ومعنا أبو السعيد، ذلك الاسم الذي لا يُذكر إلا ويُستحضر معه زمنٌ كامل من المجد الرياضي الأردني. لم يكن مجرد لاعب كرة قدم، بل كان ذاكرةً تتحرك، وقصةً تمشي على قدمين، رجلًا يحمل في حضوره بساطة الكبار، وهدوء الذين يعرفون قيمة ما عاشوا.
كانت الكلمات تتدفق بيننا كأنها نهرٌ قديم، نهرٌ يعرف طريقه حتى لو تغيّرت الأرض من حوله. تحدثنا عن أيامٍ مضت، لكنها لم تغب، وعن وجوهٍ رحلت، لكنها لم تختفِ، وعن وطنٍ لم يكن يومًا فكرة، بل كان دائمًا حقيقة.
وأبو فارس… ذلك الرجل الذي يجلس بهدوء الحكماء، كان يصغي أكثر مما يتحدث، لكن حضوره وحده كان كافيًا ليمنح الحديث وزنًا ومعنى. رجلٌ جمع بين العلم العميق، والأخلاق الرفيعة، والتواضع الذي لا يُصطنع. في عينيه ترى سنواتٍ من الفهم، وفي كلماته تشعر أن الحقيقة لا تحتاج إلى زخرفة.
وفجأة، وكأن لحظةً ما نضجت لتُقال، نهض أبو فارس، ودخل إلى الداخل، ثم عاد يحمل بين يديه شيئًا بدا كأنه عادي… لكنه لم يكن كذلك أبدًا. جواز سفر قديم.
حين فتحناه، لم نفتح ورقًا… بل فتحنا زمنًا. كانت الصفحات تصدر صوتًا خفيفًا، كأنها تهمس: “أنا هنا… لم أرحل”. رأينا الاسم، الصورة، التفاصيل الصغيرة التي قد يمر عليها البعض دون انتباه، لكنها في تلك اللحظة كانت أكبر من أي خطاب، وأصدق من أي رواية. وكان اسم 'فلسطين' حاضرًا، واضحًا، ثابتًا… لا يحتاج إلى تفسير، ولا يقبل الإنكار.
في تلك اللحظة، شعرت أنني لا أنظر إلى جواز سفر، بل إلى وثيقة وجود، إلى دليلٍ حيٍّ يقول: إن ما كان… كان حقًا. وهنا يبدأ البعد الأعمق… فلسفيًا، الوجود الذي يتحقق لا يمكن إلغاؤه. قد يُعاد تفسيره، قد يُحاول البعض إنكاره، لكنه يبقى، لأنه ببساطة حدث. والحقيقة التي تحدث، لا تحتاج إلى إذنٍ لتبقى. الزمن، الذي نخافه أحيانًا، لم يكن في تلك اللحظة عدوًا، بل كان شاهدًا. شاهدًا على أن ما صمد في وجهه، يستحق أن يبقى.
هذا الجواز، الذي أرفق صوره اليوم، ليس مجرد وثيقة شخصية، بل هو قطعة من التاريخ، دليل من الأدلة التي لا يستطيع أحد إنكارها، لأنه لا يعتمد على رواية، بل على واقعٍ كُتب وعاش.
تخيلت للحظة… كم من الأيدي مرّت على هذا الجواز؟ كم من الطرقات سلكها؟ كم من الحكايات يحملها في صمته؟ وكأن هذا الجواز لم يكن يسافر فقط بين البلدان، بل كان يسافر عبر الزمن، حتى وصل إلينا، ليقول لنا: لا تنسوا.
وهنا، تتجلى الحقيقة الكبرى: الأوطان لا تختفي حين تُحارب، بل تختفي حين تُنسى… وفلسطين؟ لم تُنسَ… ولن تُنسى. لأنها لم تعد مجرد أرض، بل أصبحت ذاكرة، وفكرة، وإحساسًا يسكن من عرفها، حتى وإن لم يرها.
في تلك الأمسية، لم نكن ثلاثة رجال فقط… كنا ثلاثة شهود، وثلاثة أزمنة، وثلاثة أصوات تقول الشيء ذاته بطرق مختلفة: أن الحقيقة لا تموت، وأن الذاكرة لا تخون، وأن ما كُتب بالحق… سيبقى، وسيظل، وسيُروى، مهما طال الزمن… لأن ما كان… لا يُمحى.

كابتن أسامه شقمان
.

التعليقات

لا يوجد تعليقات
تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
بقي لك 300 حرف
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012