أضف إلى المفضلة
السبت , 15 حزيران/يونيو 2024
السبت , 15 حزيران/يونيو 2024


التعليم العالي في الأردن ..... يا ساكن القاع أدرك ساكن العلم ......

بقلم : د . موسى الرحامنة
17-07-2019 09:09 PM

في مطلغ ثمانينات القرن المنصرم كان وزير التعليم العالي السعودي في وداع طلبة سعوديين مبتعثين الى الجامعة الأردنية فيخاطبهم قائلاً : أتدرون الى أين أنتم ذاهبون ؟ إنكم ذاهبون الى هارفارد العرب ويقصد الجامعة الأردنية نظراً لتلك المكانة المرموقة التي كانت تحتلها الجامعة الأردنية في الوسط الإقليمي بوجه عام والعربي على وجه الخصوص .
لقد ارتبطت مسيرة التعليم العالي في الأردن بتجربة الجامعة الأردنية ومن بعدها جامعة اليرموك فجامعة مؤتة وجامعة العلوم والتكنلوجيا . فكانت تلك الحقبة هي الأبهى والأسمى والأكثر تميزاً في مجال التعليم العالي، فكانت الجامعة منارة حضارية وفكرية ساهم في ذلك نوعية الطلبة وأساتذة الجامعة، فظلت الجامعات ذات مهابة ورافداً وطنياً لكل مؤسسات الدولة .
اليوم، واهمٌ بل مخطئ من ظن أننا في الأردن نحث الخطى صوب مضمار التنافس في مجال التعليم العالي، ونقولها بكل صراحة لا من قبيل الإساءة لا قدر الله الى مؤسساتنا الوطنية ومرافقنا العامة، بل إنها الحقيقة المُرة التي هي أفضل ألف مَرة من ذاك الوهم المريح الذي نُمَنِّي فيه أنفسنا كذباً وزوراً وبهتاناً .
ويبقى السؤال الجدير بالطرح والمواجهة، ما الذي غيَّر وجه التعليم العالي في الأردن ؟ الى الدرجة التي معها أخذت دولٌ تشكك في مصداقية وموثوقية بعض جامعاتنا ومخرجاتها، وهو ما يمكن اعتباره بادرة خطيرة وغير معهودة من ذي قبل، الأمر الذي يضعنا وبإلحاح أمام تحديات وتهديدات، يجدر معالجتها وإلا ستقع الفأس بالرأس، وسيفقد التعليم العالي بالأردن بريقه وهيبته وسمعته .
فهل يعقل أن دولة بحجم الأردن فيها ثلاثون جامعة تقريباً، عشر جامعات حكومية وتسع عشرة جامعة خاصة بما فيها جامعة العلوم الإسلامية، هذا الازدحام في أعداد الجامعات أربك مسيرة التعليم في الدولة، وخلق حالة من الفوضى الهستيرية نجني ثمارها مع طالع كل شمس، إذ يبلغ عدد المتعطلين عن العمل من حملة الدكتوراه قرابة الخمسة آلاف، إضافة الى ما يقارب نفس العدد ممن هم على مقاعد الدراسة من طلبة الدكتوراه والذين سينهون متطلبات حصولهم على شهادة الدكتوراه لينضموا الى جيش المتعطلين من حملة الدكتوراه .... أما عن حملة الماجستير فحدث ولا حرج، والطامة الكبرى حملة الشهادة الجامعية الأولى الذين يضج الوطن كل يوم بمواكب تخريجهم ولم يبقَ والحالة تلك إلا أن نقول لهؤلاء ' أقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي'
أن النهضة الحقيقية للتعليم الجامعي، لا تقاس بكثرة الجامعات والمعاهد التعليمية، ولا بكثرة أعداد الخريجين، فتلك هي الفوضى بعينها وهذا هو الانفلات، فعدد الجامعات الاهلية بلغ ضعف عدد الجامعات الحكومية وقد طغت عقلية التجارة والبزنس على حساب ثوابت التعليم والحرص على سمعته، فغدا تقديم التسهيلات عنواناً لاستقطاب الطلبة الى تلك الجامعات، إذ كيف تستقبل جامعة حكومية طلاباً من الخارج، وتفتح أبوابها يوم الجمعة، فيأتيها الطالب غَبَّاً وعلى حين غِرة لا يعرف سوى بوابة القادمين في المطار وقاعة المحاضرة، ولمدة يومين في الأسبوع، فلا عرف الجامعة، ولم تربطه بها أية روابط فعلية، سوى أنه ينشد عن ضالة يُحَسِّن بها وضعه الوظيفي أسمها كرتونة ( أي شهادة البكالوريوس) فوجد مع بالغ الأسف ضالته في الأردن في هذه الجامعة أو تلك وإحتصل عليها بزمن قياسي فحققت الجامعة سبقاً بدخولها مجموعة جينيس في أسرع حصول على الشهادة الجامعية، وأنا هنا أتحدث عن بعض جامعات حكومية كنا نأمل أن تتشدد في حفظ ماء وجه التعليم في الأردن لا أن يؤتى من قبلها، ومما يُؤسف له أن بعض جامعاتنا أوغلت وأسرفت في تقديم التنازلات والتسهيلات لا سيما للطلبة القادمين من الخارج وكأنها ترفع شعار من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وأخذت تتسابق فيما بينها أيها أكثر استقطابا بهدف زيادة مدخولات الجامعة على حساب ثوابت التعليم، والتي ثبت بالوجه الشرعي أننا نطرحها شعاراً ونظرية فقط وإلا لِمَ كل هذا السكوت والخذلان إزاء هذه الممارسات القميئة بحق التعليم العالي في بلدي والتي لطَّخت سمعته، وهنا فإنني أستنهض أكاديميين رجالاً لا زال عرق المروءة ينبض في وجدانهم وضميرهم وعلى رأسهم وزير التعليم العالي السيد الأستاذ الدكتور وليد المعاني لوضع حد لهذه المهازل قبل أن يبلغ السيل الزبى .
ومع شديد الأسف، تفتقر كثير من جامعاتنا الى القيادات الفاعلة والمسؤولة التي تنهض بأمانة المسؤولية وتكون على قدر من الفروسية الاكاديمية، فالقيادة الاكاديمية التي تسهم بتمييع النهج الاكاديمي الحصيف، وتتساهل في مواجهة حالة الضعف الراهنة ولا تقوى على اتخاذ ما يستلزم من قرارات وتنصاع لبعض المؤثرات التي لا تخدم الصالح العام في شيء، هي الأجدر بأن تُقصى من المشهد الاكاديمي الذي يُفترض أن له أهله ورجاله، وفي سياق الحديث عن القادة الاكاديميين لم تزل ذاكرتي تزخر بقصص الرجولة الفذة لبعض هؤلاء ففي عام 1998 كنت على مشارف إنهاء المتطلبات الاكاديمية لنيل درجة الماجستير في القانون العام من كلية الدراسات الفقهية والقانونية في جامعة آل البيت، وكانت الجامعة آنذاك في عهد التأسيس، والتي لم تكن إلا جواداً اعتلى صهوته فارس أكاديمي عز نظيره، هو الأستاذ الدكتور محمد عدنان البخيت وهنا لن أتحدث عن إنجازات الرجل وكفاءته كقائد اكاديمي بقدر ما أروي قصة حدثت معي شخصياً، فقد تقدمت باستدعاء الى أحد نواب رئيس الجامعة وهو الدكتور عمر شديفات الذي صار لاحقاً وزيراً للتعليم العالي، وقد التمست في هذا الاستدعاء تقديم موعد الاختبار النهائي لاحدى المواد عن موعده المقرر بخمسة أيام لسفري في بعثة مع الأمم المتحدة، فوضع الدكتور عمر الكرة في مرمى الرئيس وأعرب عن عدم قدرته اتخاذ قرار لصالحي، فتوجهت الى مكتب الرئيس فمنعتني مديرة مكتبه الأستاذة إيمان عمورة ( والتي أصبحت لاحقاً زوجة الصديق الدكتور مهند مبيضين) من الدخول بدون موعد مسبق، وفي هذه الاثناء خرج الرئيس ومعه الدكتور عمر فتوجه إلي بالسؤال ( تفضل شو مشكلتك) فشرحت له معضلتي وقد ساندني الدكتور عمر ولكنه أجابني جواباً مُفحِماً أدركت أنه لا مجال من تقديم امتحاني قبل موعده، حين ذكّرني بقصته مع الاميرة عالية بنت الحسين وكانت طالبة في أحد المساقات التي يقوم بتدريسها في نهاية السبعينات في الجامعة الأردنية والتي كانت على موعد سفر قبيل الامتحانات النهائية وترغب في تقديم موعد الامتحان قبل السفر، الا أنه رفض رفضاً قاطعاً طلبها قائلاً لها ( تنزل درجتك غير مكتمل) ثم بعد العودة من السفر تتقدمي للامتحان وأذكر أنه قال (لقد جاءني الزبانية من كل حدب وصوب يتوسطون لتنفيذ طلب الأميرة الا انني ذكرت لهم لقد رفضت طلبها أمامها شخصياً فلا تحاولوا....) . هذه القصة تدل على منعة الرجل وحرصه على تطبيق العدالة الاكاديمية بين الطلبة، حتى ولو كانت بنت الملك لا سيما أنه روى لي بأن الحسين رحمه الله حين علم بموقفه هذا أعجب به. اليوم ننشد عن العدالة في أروقة الجامعات عند الرؤساء فلا نجدها عند جُلّهم.
وتأتي مسألة مهمة تتمثل في مجالس أمناء الجامعات عموماً، وتحديد ماهية ما تقوم به من دور وكيفية اختيار رؤسائها وأعضائها، والتي شابها لغطٌ كبير في السنوات الماضية، ومن المضحك أن تجد عضواً في مجلس أمناء أحدى الجامعات الحكومية لا يحمل الدرجة الجامعية الأولى وقد تم اختياره لأنه يتحدر من مجموعة اقتصادية في القطاع الخاص فكيف سيناقش مثل هذا العضو سياسات أكاديمية، وبعض التفاصيل التي تخص الشأن الاكاديمي في تلك الجامعة، فلزاماً أن يعاد النظر في هذه المجالس، وأقولها والله هو الرزاق ذو القوة المتين لقد كانت الجامعات من غير مجالس أمناء أفضل حالاً، وإلا فما مبرر سكوتها عن بعض الخطايا التي تحدث في الجامعات والتي تشكل تعدياً على القيم الاكاديمية والنيل من سمعة التعليم العالي في الأردن .
بالمحصلة، نحن أمام أزمة كبيرة ومركبة، ولكن حلها ليس صعباً ومعقداً، فنحن بانتظار حلول جريئة وعاجلة بدءاً من إعادة النظر بكافة التشريعات الناظمة للتعليم العالي والجامعات من خلال إجراء التعديلات اللازمة على قانون التعليم العالي والبحث العلمي وقانون الجامعات الأردنية والأنظمة والتعليمات الصادرة بموجب هذين القانونين بما يسهم في تعزيز منعة التعليم العالي في الأردن وعودة الألق والريادة الى جامعاتنا التي تتعرض الى الاختطاف، رغم علمنا بأنه لم يمضِ على تعديلهما أكثر من عام .

التعليقات

لا يوجد تعليقات
تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
بقي لك 300 حرف
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012