أضف إلى المفضلة
الجمعة , 19 آب/أغسطس 2022
الجمعة , 19 آب/أغسطس 2022


الزميل أحمد ذيبان يكتب : مياه غزيرة "مرت تحت الجسور" منذ كارثة 5 حزيران 1967

بقلم : أحمد ذيبان
05-06-2021 11:07 PM

مياه غزيرة مرت تحت الجسور العربية خلال 54 عاما ، منذ وقعت كارثة 5 حزيران – يونيو عام 1967 وذكرى تلك الكارثة التي تصادف اليوم ، مياه مختلطة عادمة وعكرة وبعضها صافي تعكس حجم المتغيرات الهائلة التي عصفت في العالم العربي والعالم ، رحل قادة وجاء غيرهم وسقطت انظمة وجاء بديل لها، شهدت هذه السنوات تحولات ذات طبيعية استراتيجية ،لكن يبدو ان ما حدث خلال هذه الحقبة زاد الطين بلة ،وانتج سلسلة من الكوارث ،وكأننا أمام متوالية هندسية تنتج البؤس على مختلف الاصعدة ،السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية .
في تلك المرحلة كنت صغيرا في المرحلة الابتدائية ، لم أفهم ما جرى وما يعنيه وماذا يترتب عليه ؟ لكن شاءت الجغرافيا أن يكون مسقط رأسي ونشأتي ،في منطقة الاغوار الوسطى القريبة من نهر الاردن الذي يفصل الضفتين الشرقية والغربية ،وكانتا في حينه رئتين لجسد واحد ،قبل ان يحتل العدو الضفة الغربية ودرتها مدينة القدس ، بالاضافة الى احتلال هضبة الجولان السورية وصحراء سيناء المصرية ، في حرب كانت أشبه بمسرحية هزلية ! كانت مفاجأة كالصاعقة بعد حملات تعبئة اعلامية هستيرية من قبل اذاعة صوت العرب ونجمها المرحوم احمد سعيد ، وكان اعلام النظام السوري شريكا في هذه التعبئة الديماغوجية ، الذي صور للراي العام العربي بأن الكيان الصهيوني مجرد شرذمة سيتم رميها في البحر !


وعندما وقعت الهزيمة صباح يوم الاثنين 5 حزيران- يونيو عام 1967، كنا في بداية العطلة الصيفية ، نقوم أنا وأخوتي بمساعدة والدي 'المزارع ' في قطف ثمار البندورة والخيار، ولم نكن نفهم بالسياسة لكن لاحظنا شيئا غريبا لأول مرة ، وجود طائرات حربية في الأجواء تطلق أصواتا مزعجة ،وكان والدي يتابع الأخبار من خلال جهاز راديو صغيرا ،بحجم كف اليد يعمل على بطاريات صغيرة، فأبلغنا بوقوع حرب بين اسرائيل والعرب ، كان وعينا لا يزال قاصرا عن فهم أسباب الحرب ونتائجها .
لكن أهم مشهد لا يزال عالقا بالذاكرة ، لجوء عشرات العائلات الفلسطينية بعد احتلال الضفة الغربية، وإقامتها في أرضنا الزراعية في خيم وبيوت من الشعر ،حيث قدم لهم والدي رحمه الله ، جزءا من الارض للإقامة فيها تعبيرا عن التضامن والأخوة ، بل أكثر من ذلك لم يكونوا بمثابة ضيوف أو نازحين ،بل تقاسم والدي وأمي معهم المأكل والمشرب،وأظن أنهم كانوا من قبيلة المساعيد ،واستمرت إقامتهم عندنا حتى إنشاء مخيم البقعة.
ولعل أهم ما علق بالذاكرة من تداعيات الاعلامية لنتائج الحرب، برنامج كانت تبثه الاذاعة الاسرائيلية ،بعنوان 'أكاذيب وحقائق' ، كان يتضمن تعليقات ساخرة عن البيانات العسكرية التي كانت تصدر من مصر وسوريا وتتحدث عن انتصارات وهمية مستعينة بتسجيلات صوتية لتلك البيانات كانت يبثها رادية صوت العرب واذاعة دمشق ، ويتم التعليق عليه من قبل المذيع بذكر معلومات مناقضة لها ،وأهمها بطبيعة الحال نتائج الهزيمة على الأرض ، المتمثلة باحتلال مساحات شاسعة واستراتيجية من أراضي ثلاث دول عربية ، خلال تلك المسرحية العسكرية التي اسماها اعلام دولة العدو 'حرب الايام الستة' من قبيل التهكم !


تنحي عبد الناصر

مظاهرات مليونية تطالب بتراجع عبد الناصر عن الاستقالة
كان ثقل الهزيمة كبيرا جدا ، وترتب عليها تداعيات جيو سياسية ، ووضعت الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي كان يتمتع بشعبية كاسحة على امتداد العالم العربي ،في وضع حرج أجبره على تحمل المسؤولية السياسية والاخلاقية ، وإعلانه التنحي عن رئاسة مصر مساء 9 يونيو 1967، متحملا مسؤولية الهزيمة ، إلا أنه تراجع عنها في اليوم التالي بعد خروج ملايين الناس للتظاهر رفضا لتنحيه. وكان الرفض الشعبي لتنحيه حقيقيا وعاطفيا ،لأن صورة عبد الناصر في الوجدان الشعبي كانت تعتبره 'المخلص والمنقذ' للعرب بفضل شعار الوحدة الذي كان يرفعه نظام عبد الناصر .
ولم يقتصر الرفض الشعبي لتنحي ناصر على مصر وحدها، بل عم السودان ولبنان والعراق وليبيا وتونس والجزائر وسوريا والأردن، حتى الجاليات العربية في المهجر تظاهرت رفضا لقرار استقالة عبد الناصر.
وعندما توفي عبد الناصر بعد اختتام القمة العربية عام 1970 ، ساد الحزن والحداد الشارع العربي ورفع ملايين العرب على منازلهم رايات سوداء ، وشيع جنازته في القاهرة خمسة ملايين شخص!

قمة الخرطوم

صورة تذكارية للقادة المشاركين في قمة الخرطوم يتصدرهم عبد الناصر وعاهل السعودية في ذلك الوقت الملك فيصل

رد العرب على هزيمة حزيران بعقد مؤتمر قمة في العاصمة السودانية الخرطوم بتاريخ 29 أب – أغسطس 1967،ودفعت ظروف الهزيمة باتجاه تبني القمة العربية قرارات 'حازمة' مثل إعلان اللاءات الثلاث: 'لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل' مع العدو الصهيوني قبل أن يعود الحق لأصحابه، وكان لافتا أن جميع الدول العربية المؤتمر باستثناء سوريا ،ثم رفع شعار 'إزالة آثار العدوان ' ، بمعنى السعي لاستعادة ما احتلته اسرائيل فيما اسمته حرب 'الأيام الستة ' ! لكن تلك اللاءات ذهبت مع الرياح ،وجرفتها المياه التي مرت تحت الجسور ،رغم الانتصار الجزئي الذي حققته مصر وسوريا بدعم عربي في حرب اكتوبر عام 1973 ،الذي سرقته مفاوضات فك الاشتباك بين اسرائيل وكل من مصر وسوريا ،التي قادها وزير الخارجية الاميركي في ذلك الوقت هنري كيسنجر ، ثم جاءت مفاجأة الرئيس المصري انور السادات الصاعقة بزيارة القدس المحتلة عام 1977 والقاء خطاب في البرلمان الصهيوني ' الكنيست ' ،ثم توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 ،وتواصل مسلسل التنازلات العربية الى أوسلو وملحقاته واتفاقية وادي عربة مع الاردن . وكانت أحدث نسخ التطبيع ما فعلته الامارات والبحرين والمغرب والسودان في اواخر عام 2020 !
كانت الاوضاع متوترة في الاغوار بعد الحرب ، وليس هناك وضوح لما هو قادم ، وفي إحدى ليالي شتاء عام 1968 ، لم يكن لبيت العائلة المتواضع جرس ، وفجأة اهتز حديد الشباك بقوة ، وكان في الخارج شخص ينادي ، كان الجو ماطرا وباردا، خرج والدي الى البرندا شاهرا مسدسه ، وكان وجها لوجه مع الرجل الذي كان يحمل بندقية ويرتدي زيا 'مبرقعا '، لكنه رفع يده وطلب الآمان، وقال أنه قادم من الضفة الغربية تقطعت به السبل ، ولا يعرف المنطقة وبحاجة ان يستريح،واستقبله والدي وأدخله الى المنزل وأعدت والدتي له طعام العشاء ، ونام في تلك الليلة في ضيافة العائلة رغم صغر مساحة المنزل ،وتبين ان الشخص واسمه 'جاسر' ، كان من طلائع العمل الفدائي الذي انطلق لمقاومة الاحتلال الصهيوني .
كانت تلك أول مرة نشاهد فيها 'فدائي' بالعين المجردة، وكنا نظن أن الفدائيين من جنس الملائكة ،يحملون أرواحهم على أكفهم ويعتبرون مشاريع شهداء، وفي وقت لاحق كانت منطقة الاغوار ، ساحة رئيسية لانتشار قواعد الفدائيين، وتنفيذ عمليات ضد قوات الاحتلال عبر' الشريعة ' ، قبل أن يتسلل الى صفوف الفصائل العديد من الأشخاص، الذين أساءوا لطهارة رسالة المقاومة ، وكنا نشاهد بالعين المجردة الطائرات الاسرائيلية تقوم بقصف قواعد الفدائيين في المنطقة ،الى درجة ان والدي كان لديه مسدس صغير 'نمرة 8' استخدمه في إحدى المرات، للتصدي لاحدى الطائرات الاسرائيلية ،وكانت محاولة فاشلة لكنها عبرت عن روح المقاومة ..
معركة الكرامة

مدافع الجيش الاردني تتصدى لقوات العدو

ثم وقعت معركة الكرامة بتاريخ 21 آذار - مارس عام 1968،التي كان هدف العدو منها القضاء على قواعد الفدائيين ،لكن النتيجة كانت صد العدوان بفضل تلاحم الجيش الأردني مع الفدائيين .
وبعد المعركة بدأت أدرك بالتدريج ما يجري ،خاصة بعد أن جرب أهلي وأقاربي حالة النزوح ، باستخدام بيوت من الشعر والخيم لمدة ستة أشهر ،في منطقة الرميمين الواقعة شمال شرق مدينة السلط بعد معركة الكرامة ، بسبب القصف المدفعي الاسرائيلي المتقطع والعشوائي !
كان والدي محدود التعليم حيث درس فيما يعرف بطريقة ' بيضة ورغيف' ،ومع ذلك كان يتابع الأحداث السياسية ، ويثق بمصداقية اذاعة لندن ويتابع الأخبار من خلالها ، وفي تلك الفترة لم يكن ثمة قنوات فضائية أو انترنت، حتى الصحف كانت محدودة التوزيع، وكانت نشرات إذاعة لندن يوم الجمعة ، تبث خبرا رئيسيا لمقال الصحفي والكاتب المصري الكبير الراحل محمد حسنين هيكل'بصراحة' ، الذي كانت تنشره الصحيفة الأولى في مصر' الاهرام ' ، وكان هيكل مقربا من نظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ،وتعبر مقالاته عن مواقف وسياسات النظام . لكن تبين فيما بعد ان هيكل ساهم في تجميل الواقع ،ولا أريد القول تزوير الحقائق وتضليل الراي العام !
الحرب الفلسطينية الاسرائيلية أيار 2021

صواريخ المقاومة الفلسطينية تطلق من قطاع غزة باتجاه عمق الكيان الصهيوني

واليوم بعد تلك المياه الغزيرة التي مرت تحت الجسور العربية، ورغم حالة الاحباط والتشرذم العربي ، والحروب البينية والاهلية والتدخلات الخارجية ، أشعلت شمعة وسط الظلام العرب ، منذ شهر أيار – مايو الماضي 2021 ،الذي صادف الذكرى السنوية 73 للنكبة الأولى ، وتمثلت بالانتفاضة الفلسطينية العارمة في وجه العدو الصهيوني ، وهي انتفاضة نادرة شملت كافة الاراضي الفلسطينية من البحر الى النهر ، في وحدة شعبية بديعة ، دفاعا عن القدس في مواجهة اعتداءات واقتحامات قوات الاحتلال والمستوطنين، ومحاولات تهجير سكان حي الشيخ جراح من القدس ،وكانت ملحمة حقيقية تعززت بدعم المقاومة الفلسطينية بإطلاق الصواريخ من قطاع غزة باتجاه عمق الكيان الصهيوني ، وهي مواجهة كشفت هشاشة هذا الكيان وكذبة ' الجيش الذي لا يقهر' ! التي سوقها خلال عشرات السنين مستعينا بعجز الانظمة العربية الحاكمة ،وهزائم جيوشها السريعة بدون قتال حقيقي !


التعليقات

لا يوجد تعليقات
تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
بقي لك 300 حرف
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012