أضف إلى المفضلة
السبت , 14 آذار/مارس 2026
شريط الاخبار
الأردن يعزي بضحايا الفيضانات والانزلاقات الأرضية في إثيوبيا "البوتاس العربية" تسير باستثمارات توسعية بقيمة 1.1 مليار دولار لتعزيز الطاقة الإنتاجية مستوردون: مخزون المملكة من الغذاء مريح وحريصون على تزويده باستمرار 73.2 % من صادرات المملكة ذهبت العام الماضي لأسواق دول يرتبط الأردن معها باتفاقيات تجارية الأردن ثالث أكثر الدول استهدافا بالهجمات السيبرانية المرتبطة بالحرب في المنطقة لكنها لم تنجح انخفاض أسعار الذهب محليًا .. وغرام 21 عند 101.8 دينارا استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي اليوم وانخفاض ملموس غدًا وفيات السبت 14-3-2026 إغلاقات جزئية لعدد من الشوارع في مدينة المفرق زخات مطرية متفاوتة الشدة في عدة مناطق من المملكة نتيجة عدم الاستقرار الجوي الأسواق الأوروبية تتكبد خسائر أسبوعية مع ارتفاع أسعار النفط مباحثات مصرية إيرانية بشأن الأوضاع في المنطقة فتح وتوسيع طرق في مناطق ساكب والحسينيات وطريق المكرمة الملكية تحذيرات من مخاطر الألعاب الإلكترونية على الأطفال في الأردن الجيش الأميركي: مقتل 4 من أفراد طاقم طائرة تزوّد بالوقود تحطمت في العراق
بحث
السبت , 14 آذار/مارس 2026


بين العزلة والاختلاء.. متى تصبح الوحدة دواءً ومتى تتحوّل إلى داء؟

بقلم : د.ناديا نصير
10-09-2025 12:14 AM

في زمنٍ يضجّ بالصخب، حيث تختلط أصوات المدن بأصوات الأجهزة، وحيث لا يهدأ الهاتف من رسائله ولا شاشات العالم الافتراضي من تدفّق صوره، يجد الإنسان نفسه محاصرًا بالضجيج أكثر مما يحتمل. هناك من يهرب إلى العزلة كمن يبحث عن جرعة أوكسجين في غرفة مكتظة، وهناك من تسحبه الوحدة من دون إرادته إلى فراغٍ قاتل. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل العزلة راحة للروح، أم سجنٌ بطيء البناء؟
الوحدة ليست قالبًا واحدًا، بل طيفٌ واسع بين الراحة والعذاب. الاختلاء الاختياري يشبه لحظة صمت بعد موسيقى صاخبة؛ لحظة يعيد فيها الإنسان ترتيب أفكاره، يستمع لصوت داخلي غاب وسط ضوضاء الآخرين. هذا النوع من العزلة دواء للنفس، بل هو شرط للإبداع، إذ لم تُكتب أعظم القصائد ولم تُرسم أجمل اللوحات إلا في لحظات عزلة صادقة.
أما العزلة القسرية فهي الوجه الآخر، حين تُفرض الوحدة على الفرد بفعل الرفض أو الخذلان أو العجز عن التواصل. هنا لا تكون الوحدة خيارًا واعيًا، بل قيدًا يلتف حول القلب، يزرع القلق ويغذّي الاكتئاب. من يعيش هذه الوحدة يشعر أن جدران غرفته تضيق، وأن صمته ليس صفاءً بل فراغًا يبتلعه ببطء.
العلم يميّز بين النوعين بوضوح. الدراسات النفسية تشير إلى أن قضاء وقت قصير في عزلة اختيارية يخفض مستويات التوتر، ويعزز التركيز، ويساعد الدماغ على إعادة شحن طاقته. بينما الوحدة المفروضة تنشّط دوائر الخوف في الدماغ، وتزيد من إفراز هرمونات الضغط مثل الكورتيزول، حتى أن بعض الأبحاث شبّهت أثر الوحدة المزمنة بخطورة التدخين أو السمنة على صحة الإنسان.
وفي الأدب، الوحدة توصف بأنها سيف ذو حدّين: إما ملجأ للروح وإما سجن للعقل. الأديب الروسي دوستويفسكي كتب: «الوحدة مرعبة حين لا تملك ذاتًا تصادقها»، بينما يرى الشاعر جبران خليل جبران أن العزلة «غذاء للنفس» لأنها تتيح لها أن تكبر بعيدًا عن ضوضاء العالم.
في مجتمعاتنا العربية، كثيرون يخلطون بين العزلة والانسحاب، وبين الاختلاء والسلبية. الشاب الذي يفضّل ساعة مع ذاته يُتهم بالكآبة، والمرأة التي تحب السكون تُتهم بالبرود. والحقيقة أن حاجتنا للعزلة تختلف باختلاف شخصياتنا وظروفنا. الانطوائيون يجدون في الوحدة شحنًا لطاقتهم، بينما يحتاج المنفتحون إلى توازنٍ أكبر بين الخلوة والتواصل.
غير أن الخطر يكمن حين تتحول العزلة من خيار إلى نمط حياة. الإنسان الذي ينسحب تدريجيًا من أصدقائه، الذي يجد صعوبة في محادثة الآخرين، الذي يقضي ساعات طويلة في صمتٍ يثقل صدره، هو إنسان على حافة خطر نفسي. الوحدة هنا لا تشفي، بل تفتح الباب للاكتئاب، وتزيد من احتمالية اضطرابات القلق والنوم، وحتى الأمراض الجسدية.
الحياة، في جوهرها، تقوم على التوازن. لا يمكن للإنسان أن يعيش منغمسًا في الآخرين طوال الوقت، كما لا يمكنه أن يعيش معزولًا عنهم بشكل كامل. كما نحتاج إلى هواء نقي لصدورنا، نحتاج إلى لحظة خلوة نسمع فيها أنفسنا، لكننا نحتاج أيضًا إلى قلوب نشاركها ونفوس نستند إليها.
من الناحية العملية، يمكننا أن نحوّل العزلة إلى أداة للنمو:
* أن نجعلها وقتًا للتأمل لا وقتًا للهروب.
* أن نستخدمها لإعادة قراءة ذواتنا، لا لإعادة جلدها.
* أن نسمح لأنفسنا بالهدوء، لكن دون أن نغلق الأبواب على العالم نهائيًا.
المجتمعات التي تعترف بحق الإنسان في الاختلاء تبني أفرادًا أكثر توازنًا وإبداعًا. فالمعلّم الذي يمنح طلابه مساحة للتفكير الفردي، والوالد الذي يترك أبناءه يعيشون لحظات هدوء بعيدًا عن التوجيه المستمر، يزرع فيهم قوة داخلية ستنفعهم طوال حياتهم. أما المجتمعات التي تفرض الزحام الدائم وتخاف من صمت الفرد، فهي تصنع أفرادًا متعبين من الخارج ومن الداخل معًا.
وفي النهاية، ربما علينا أن نعيد تعريف الوحدة: ليست دائمًا هروبًا من الناس، بل قد تكون لقاءً صادقًا مع الذات. هي كالماء: تروي العطش إذا شربناها بقدر، وتغرقنا إذا غرقنا فيها بلا وعي.
فالعزلة دواء حين تمنحنا طمأنينة، وداء حين تسلبنا القدرة على التواصل. وإن عرفنا كيف نوازن بين العالم الخارجي وصوتنا الداخلي، سنكتشف أن الوحدة ليست عدوًا ولا صديقًا مطلقًا، بل هي مرآة نرى فيها حقيقتنا بوضوح.

الدستور

التعليقات

لا يوجد تعليقات
تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
بقي لك 300 حرف
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012