أضف إلى المفضلة
الجمعة , 05 كانون الأول/ديسمبر 2025
شريط الاخبار
بحث
الجمعة , 05 كانون الأول/ديسمبر 2025


ما بين الفن والكوابيس... كيف اخترقت «لابوبو» غرف الأطفال؟

بقلم : د.ناديا نصير
12-11-2025 12:08 AM

قد يبدو شكلها غريبًا وجهٌ صغير بملامحٍ غير مألوفة، ابتسامة واسعة بأسنانٍ حادة، وعيونٌ تحدّق كأنها تخفي سرًّا لا يُقال. اسمها «لابوبو»؛ لعبة اجتاحت الأسواق وصفحات الإنترنت، حتى صارت هوسًا عند الأطفال والكبار معًا. لكن خلف ملامحها الغريبة، يختبئ سؤال نفسي وتربوي عميق: هل كل ما يُباع للطفل صالحٌ له؟

هذه الدمية التي يراها البعض لطيفة، يراها آخرون مصدر خوفٍ غير مبرر. طفلٌ في الثالثة من عمره قد يبكي ليلًا وهو يقول إن اللعبة «تنظر إليه»، وآخر يرفض النوم في غرفته لأنها «تتحرك في الحلم». قد نضحك بدايةً على هذه المواقف، لكن الحقيقة العلمية أن الدماغ الطفولي لا يُميّز تمامًا بين الخيال والواقع، وكل شكلٍ غير مألوف يُخزَّن في ذاكرته العاطفية كإشارة خطر، حتى لو لم يعبّر عنها بكلمات.

الدمية ليست مجرد قطعة بلاستيك، بل صورة تدخل إلى العقل اللاواعي وتؤثر على شعور الأمان. في مراحل النمو الأولى، يبحث الطفل عن وجوهٍ مطمئنة، عن ابتساماتٍ دافئة تُذكّره بوجه أمه أو أبيه. وعندما يرى ملامح تجمع بين اللطف والرعب، تتشوش دائرته العصبية بين الارتياح والخوف. لذلك يشعر بالانجذاب إلى اللعبة وفي الوقت نفسه بالنفور منها وهذا مزيج يُربك جهازه النفسي ويُحدث اضطرابًا في مشاعره، قد يظهر لاحقًا في شكل قلقٍ أو كوابيسٍ أو عزلةٍ عن النوم المنفرد.

«لابوبو» ليست مجرد دمية غريبة الشكل، إنها نموذج لعصرٍ باتت فيه الألعاب تُصمَّم لإبهار الكبار لا لطمأنة الصغار. ألوانها الصاخبة، وملامحها «الفنية»، وتسويقها كقطعة نادرة كلها تخاطب عقل الراشد المهووس بالاختلاف، لكنها لا تراعي حساسية الطفل الذي يقرأ الملامح بعاطفته لا بذوقه. فالطفل لا يعرف «التصميم الفني» ولا «الترند»، هو فقط يعرف: هل هذا الوجه يُشبه الأمان أم الخطر؟

التحذير هنا ليس من لعبةٍ «شيطانية» كما يصفها البعض، بل من الاعتياد على الغرابة دون وعي. حين يُترك الطفل ينام بجانب وجهٍ يُشبه الكائنات المخيفة في الرسوم، يتعلّم أن الخوف طبيعي، وأن المريب مألوف، وأن ما يخيفه لا يستحق الانتباه. ومع الوقت، يفقد إحساسه الفطري بالحدود بين ما يريحه وما يهدده.

وهنا تكمن الخطورة الأعمق، فكل ما يُخالط بيئة الطفل يصبح جزءًا من رموزه الداخلية. اللعبة التي تحمل طاقة قلقٍ أو ملامحَ مرعبة، قد تزرع بذور خوفٍ دفين لا يزول بسهولة. الطفل يتشرّب الصور أكثر مما يتعلّم من الكلمات، والوجه الغريب الذي يراه كل يوم يتحوّل إلى رمزٍ في ذاكرته العاطفية. لذلك، لا يجوز أن نستهين بما يُحيط به، لأن الطفولة تُبرمج بالمشاهد لا بالنصائح، وما يراه اليوم دون تفسير، قد يفسّر حياته كلها لاحقًا دون وعيٍ منه.

أحيانًا ينام الطفل بينما تبقى اللعبة في زاوية الغرفة، يراها بعينٍ نصف مغلقة، وتُسجَّل صورتها في دماغه ككائنٍ حيٍّ يراقبه في الظلام. وهنا يتحول الخيال إلى كابوس، ويتحوّل اللعب إلى مصدر تهديدٍ خفيٍّ يوقظ القلق في منتصف الليل. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تُشكّل في المستقبل أنماط الخوف والكوابيس والقلق الليلي.

لا أحد يطالب الأهل بأن يمنعوا أبناءهم من اللعب، لكن من الضروري أن نُعيد تعريف «اللعبة الآمنة». ليست الآمنة من الكسر فقط، بل الآمنة من الداخل، من أثرها على الخيال والمشاعر. فالدمية التي تزرع في عقل الطفل صورةً غامضة ومربكة، لا تقل ضررًا عن أي مشهدٍ عنيف يشاهده على الشاشة.

أيها الأهل، راقبوا وجوه أطفالكم حين ينظرون إلى ألعابهم، فالعين الطفولية لا تكذب. إن بدت نظرتهم حائرة أو متوترة، فاستبدلوا اللعبة فورًا. استمعوا إلى حدسهم، لأنه أصدق من رغبتنا في مجاراة الموضة.

ولنضع أمام أعيننا قاعدة بسيطة: كل ما يُشعر الطفل بالخوف لا يستحق أن يُسمّى لعبة.

قد تكون «لابوبو» مجرد دمية في الظاهر، لكنها في الباطن رسالة خطأ في زمنٍ يخلط بين الفن والرعب، وبين الاختلاف والاضطراب. والطفل لا يحتاج إلى لعبة «تشبه الشيطان» ليكون مبدعًا، بل يحتاج إلى دميةٍ تُشبه قلبه دافئة، آمنة، لا تُحدّق فيه في الليل.

احموا طفولتكم من الملامح المشوّهة، فليس كل ما يبتسم يُطمئن،

وليس كل ما يُباع يُناسب.

الدستور

التعليقات

لا يوجد تعليقات
تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
بقي لك 300 حرف
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012