أضف إلى المفضلة
الثلاثاء , 16 حزيران/يونيو 2026
شريط الاخبار
بحث
الثلاثاء , 16 حزيران/يونيو 2026


غزة بين قسوة الطبيعة ووحشية الحرب: مأساة نازحين بلا مأوى ولا حماية

بقلم : علي ابو حبلة
30-12-2025 07:39 AM

لا تبدو معاناة النازحين في قطاع غزة حدثًا عابرًا أو طارئًا مرتبطًا بتقلبات الطقس، بل هي نتيجة مباشرة لتراكم منظّم من السياسات العسكرية والحصار والتجويع، حيث تتقاطع قسوة الطبيعة مع وحشية الحرب، ليجد أكثر من مليون ونصف المليون إنسان أنفسهم بلا مأوى حقيقي، وبلا حماية، وبلا أفق.
مع اشتداد المنخفض الجوي، تحولت خيام النازحين في خانيونس ومناطق واسعة من جنوب ووسط القطاع إلى مصائد للمياه والبرد. الأمطار الغزيرة والرياح العاتية وأمواج البحر لم تترك فقط الخيام غارقة، بل كشفت هشاشة ما تبقى من «حلول إنسانية» فُرضت على الفلسطينيين كبديل عن حقهم الطبيعي في السكن الآمن. أطفال ينامون في العراء، عائلات فقدت آخر ما تملك من مقتنيات، ومرضى باتوا مهددين بالموت البطيء بفعل البرد والأمراض.
لكن المأساة لا تقف عند حدود الطبيعة. فبينما كان يفترض أن يشكل وقف إطلاق النار مظلة حماية للمدنيين، استمر التصعيد العسكري الإسرائيلي في مختلف مناطق القطاع: غارات جوية، قصف مدفعي، وإطلاق نار مباشر، طال مناطق مكتظة بالنازحين في جباليا والبريج ورفح وخانيونس. هذه الوقائع لا تمثل خروقات عرضية، بل نمطًا ممنهجًا يقوض جوهر أي اتفاق تهدئة، ويعيد إنتاج الحرب بأدوات «منخفضة الوتيرة» لكنها عالية الكلفة الإنسانية.
الأرقام التي أعلنها المكتب الإعلامي الحكومي في غزة – 969 خرقًا، و418 شهيدًا، وأكثر من ألف جريح منذ توقيع اتفاق وقف النار – لا يمكن التعامل معها كبيانات دعائية، بل كدلائل قانونية على انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف التي تلزم قوة الاحتلال بحماية السكان المدنيين وضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة، لا تدميرها أو منعها.
في هذا السياق، تبدو أزمة شح الوقود وانهيار قدرة الدفاع المدني والبلديات على الاستجابة للكوارث الطبيعية جزءًا من سياسة أوسع لتفريغ أي مضمون إنساني لمرحلة «ما بعد الحرب». فعندما تعجز فرق الإنقاذ عن تلبية أكثر من 10% من نداءات الاستغاثة، وعندما تُسحب عشرات الخيام إلى البحر دون أي بدائل، فإن الحديث عن «ترتيبات اليوم التالي» يصبح فارغًا من أي معنى عملي.
سياسيًا، يتزامن هذا المشهد مع ترقب لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وما يُروّج له كمرحلة ثانية من خطة إنهاء الحرب. غير أن الوقائع الميدانية تشير إلى فجوة عميقة بين الخطاب السياسي والواقع الإنساني. فكيف يمكن الحديث عن تسوية أو إعادة إعمار أو إدارة مدنية، بينما يُترك نصف مليون نازح بلا مأوى، وتُقصف مناطق يفترض أنها آمنة، وتُمنع أبسط أدوات الاستجابة الطارئة؟
الأخطر من ذلك أن استمرار هذا الوضع يرسخ معادلة خطيرة: تحويل الكارثة الإنسانية إلى أداة ضغط سياسي، والنازحين إلى رهائن للابتزاز الإقليمي والدولي. وهو ما ينذر بانفجار اجتماعي وإنساني طويل الأمد، ستكون تداعياته أبعد من غزة، وأكثر كلفة على الاستقرار الإقليمي.
إن مأساة النازحين في غزة اليوم ليست اختبارًا لقدرة الفلسطينيين على الصمود فقط، بل اختبار حقيقي لمصداقية المجتمع الدولي، ولمعنى القانون الدولي، ولجدية أي حديث عن السلام. فإما حماية المدنيين بوصفهم قيمة غير قابلة للمساومة، أو الاعتراف الصريح بأن ما يجري ليس سوى إدارة للأزمة، لا حلًّا لها، على حساب دماء وكرامة شعب بأكمله.

الدستور

التعليقات

لا يوجد تعليقات
تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
بقي لك 300 حرف
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012