أضف إلى المفضلة
الجمعة , 13 آذار/مارس 2026
شريط الاخبار
سعر خام برنت يغلق فوق 100 دولار لأول مرة منذ 2022 الإمارات: الدفاعات الجوية تعاملت مع 1833 صاروخًا و26 طائرة مسيّرة إيرانية وزير الخارجية يشارك بالاجتماع الوزاري المشترك بين الأردن ودول الخليج وزير الخارجية ينقل تحيّات الملك إلى الرئيس السوري الملك يتلقى اتصالاً هاتفياً من ملك هولندا الاحتلال يقرر إبقاء المسجد الأقصى مغلقا غدا الجمعة ولي العهد يزور شركة الخطوط الجوية الملكية الأردنية توسع خدمة طلب مواعيد المتابعة عبر "حكيمي" "الأوقاف" تدعو لوقف الانتهاكات الإسرائيلية وفتح أبواب المسجد الأقصى "الأمن العام" تجدد تحذيراتها بعدم الاقتراب من الأجسام المتساقطة انخفاض أسعار الذهب محليًا .. وغرام 21 عند 104.1 دنانير صناعة الأردن: الصناعة تعتمد على 3 مصادر من الغاز الطبيعي الطاقة الدولية: الحرب تتسبب بأكبر اضطراب في تاريخ إمدادات النفط عالميا البرلمان العربي يرحب بقرار مجلس الأمن بإدانة الاعتداءات الإيرانية ضد الدول العربية استهداف مطار الكويت الدولي بعدة طائرات مسيرة
بحث
الجمعة , 13 آذار/مارس 2026


الكابتن أسامة شقمان يكتب : دولة أحمد عبيدات… حين تقود الذاكرة إلى جوهر الدولة

بقلم : الكابتن أسامه شقمان
09-02-2026 07:23 AM


لم يكن ثاني لقاء جمعني بالمرحوم أحمد عبيدات لقاءً عابرًا، ولا مشهدًا يُصنّف ضمن البروتوكولات المعتادة للرجال الذين شغلوا أعلى المناصب.
لم يكن في مكتب رسمي،
ولا في قاعة ذات أبواب ثقيلة وحراسة صامتة. كان في محل البشيتي – شارع الملك عبدالله. مكان عادي، يشبه الناس، ويشبه الحياة حين تكون بلا أقنعة.
وقف عند الكونتر وحده. حديث قصير، هادئ، بلا مقدمات ولا حواجز. خرجنا معًا، تبادلنا بضع دقائق من الكلام، ثم ركب سيارته، وقادها بنفسه… بلا سائق،بلا موكب، وبلا حاجة لأن يلتفت خلفه ليتأكد أن أحدًا انتبه.
في تلك اللحظة، أدركت أن بعض الرجال لا يغادرون المناصب فقط، بل يغادرونها بسلام داخلي. سلام من يعرف أن المنصب وسيلة لا غاية، وأن السلطة حين تفقد معناها الأخلاقي، تتحول إلى عبء. لكن هذا لم يكن اللقاء الأول.
اللقاء الأول كان قبل ذلك بسنوات، في مديرية الأمن العام منتصف الثمانينيات،
حين كان والدي يعمل في جهاز الأمن العام. هناك رأيت أحمد عبيدات للمرة الأولى في قلب المؤسسة، في سياق الدولة لا في تفاصيل الشارع. عرّفت بنفسي آنذاك كطيّار في الملكية الأردنية،
فاستقبلني بكلمات بسيطة، لكنها بقيت في الذاكرة. لم تكن نصيحة مباشرة، ولا خطابًا رسميًا، بل جملة تحمل خلاصة تجربة طويلة،
كأنها تقول دون إسهاب:
“الطريق لا يُقاس بسرعة الوصول، بل بصدق الاتجاه،
ومن يخدم وطنه بإخلاص… لا يضيع.” كانت تلك الكلمات أشبه ببوصلة، تشجيعًا على الاستمرار، وتأكيدًا أن الخدمة الحقيقية لا تحتاج ضجيجًا. كان المشهد رسميًا،
لكن الرجل لم يكن ثقيل الظل. هيبة واضحة، وحضور محسوب، دون أن تشعر أن السلطة تحاول أن تفرض نفسها عليك.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت المفارقة تتشكّل في ذهني:
كيف يجتمع رجل الأمن، ورجل السياسة، ورجل الإنسان… في شخص واحد؟
وُلد أحمد عبيدات في حرثا – إربد عام 1938، ودرس القانون في جامعة بغداد،
ليبدأ حياته معلّمًا، قبل أن تقوده المرحلة والظروف إلى العمل العام. التحق بجهاز المخابرات العامة، وتدرّج في مواقع حساسة، حتى أصبح مديرًا له في مرحلة دقيقة من تاريخ الأردن،
مرحلة كانت الدولة فيها تُبنى بالحذر، وتُدار بالعقل قبل الخطاب. لاحقًا، انتقل إلى قلب العمل السياسي:
وزيرًا للداخلية، ثم رئيسًا للوزراء في منتصف الثمانينيات.
غير أن اللافت في مسيرته
لم يكن عدد المناصب، بل طريقة الخروج منها. لم يتعامل مع المنصب كامتياز دائم، بل كوظيفة مؤقتة لخدمة فكرة أكبر: الدولة.
بعد خروجه من الحكم، لم ينسحب إلى الظل، بل بقي حاضرًا في النقاش العام؛ ناقدًا حين يجب النقد،
متحفظًا حين تستدعي الحكمة، وصريحًا حين يصبح الصمت تواطؤًا.
شارك في صياغة الميثاق الوطني، وكان له موقف واضح من قضايا مفصلية،
رافضًا أن تتحول السياسة إلى صمت مريح، أو أن يصبح المسؤول شاهدًا بلا رأي.
ما يميّز أحمد عبيدات في الذاكرة ليس فقط تاريخه الأمني أو السياسي، بل تحوّله الإنساني. رجل عرف دهاليز السلطة، ثم اختار أن يقف في الضوء العادي،
بين الناس، بلا مسافة مصطنعة.وهنا يكمن البعد الفلسفي في تجربته: أن تكون قويًا دون أن تكون قاسيًا، وأن تمتلك السلطة دون أن تتماهى معها، وأن تخرج من التاريخ الرسمي
لتدخل ذاكرة الناس. حين رحل، لم يُستدعَ اسمه من الأرشيف فقط، بل من الحكايات الصغيرة: في شارع، في محل، في لقاء عابر، وفي صورة لا تُظهر منصبًا، بل تُظهر رجلًا.
أحمد عبيدات لم يكن سطرًا في سجل الحكومات، بل تجربة تطرح سؤالًا مفتوحًا:
هل يمكن للسياسة أن تبقى أخلاقية؟ ربما لا دائمًا…
لكن بعض الرجال يثبتون أنها ممكنة.
رحم الله أحمد عبيدات، رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.

التعليقات

لا يوجد تعليقات
تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
بقي لك 300 حرف
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012