أضف إلى المفضلة
الثلاثاء , 21 نيسان/أبريل 2026
شريط الاخبار
ارتفاع حوالات العاملين إلى المملكة بنسبة 12.7 % خلال الشهرين الأولين "الخدمة والإدارة العامة" تنشر نتائج الفرز الأولي لوظيفة مدير عام مؤسسة التدريب المهني الأردن يدين استمرار اقتحامات المستوطنين المتطرفين للمسجد الأقصى ارتفاع حوالات العاملين إلى المملكة بنسبة 12.7 % خلال الشهرين الأولين الأردن يوقع الاتفاقية الفنية القانونية النهائية للناقل الوطني .. وبدء التفيذ الصيف المقبل وفاة الفنانة الكويتية حياة الفهد انخفاض أسعار الذهب محليا إلى 97.30 دينارا للغرام العدل: 163 عقوبة بديلة عن الحبس في آذار الأمانة توضح: لا مخالفات طعام وشراب اثناء القيادة وظائف حكومية شاغرة ومدعوون للاختبار التنافسي - أسماء أجواء لطيفة اليوم وارتفاع تدريجي على الحرارة حتى الجمعة وفيات الثلاثاء 21-4-2026 العقبة: 70% نسبة الإشغالات الفندقية نهاية الأسبوع شفيق عبيدات يكتب: التناقض في تصريحات الرئيس الأميركي (ترامب) ولي العهد والعاهل البحريني يبحثان سبل تعزيز التنسيق حيال التطورات الإقليمية
بحث
الثلاثاء , 21 نيسان/أبريل 2026


حين تُعلّمني السماء كيف أعود إلى الأرض

بقلم : الكابتن أسامه شقمان
09-04-2026 11:43 AM
أربعون عامًا وأنا أعانق السماء، لا كحلمٍ عابر، بل كحياةٍ كاملة عشتها بين الغيم والضوء واللايقين. كنتُ طيّارًا مدنيًا، أحمل الناس بين المدن كما يحمل القلب نبضاته، وأعبر بهم المسافات كما يعبر الزمن أعمارنا دون أن يستأذن.
واليوم، بعد أن هدأت المحركات في داخلي، وأصبحت السماء ذكرى لا مهنة، وجدتني أعود إلى الأرض محمّلًا بأسئلةٍ أثقل من أي رحلة، وأصدق من أي جهاز ملاحة.
لم تعلّمني السماء كيف أطير فقط… بل كيف أفهم الحياة.
في الأعالي، حيث تتلاشى الحدود، كنت أرى الأوطان بلا خطوط، والناس بلا اختلافات، والأرض كرةً واحدة تتنفس تحت جناحي الطائرة. هناك، فهمت أن ما يفرّقنا على الأرض، يذوب في السماء.
فالوطن، وإن كان قطعةً من الجغرافيا، إلا أنه في الحقيقة حالة شعورية، ذاكرة، وانتماء يسكن القلب قبل أن يُرسم على الخريطة.
إلى أولادي وأحفادي…
يا امتداد العمر، وورثة الحكاية، اعلموا أن الحياة ليست كما تبدو من بعيد.
فكما أن الطائرة من الأرض تبدو نقطةً صغيرة، لكنها في الداخل عالمٌ كامل، كذلك الإنسان… لا تُقاس قيمته بما يظهر، بل بما يخفيه من صدق ونُبل.
تعلمت في الطيران أن كل إقلاعٍ قرار، وكل هبوطٍ مسؤولية. وأنك مهما ارتفعت، لا بد أن تعود.
فاجعلوا عودتكم دائمًا نظيفة… بلا خيباتٍ زرعتموها في قلوب الآخرين، ولا آثارٍ موجعة تركتموها في طرقات الحياة.
لا تغترّوا بالعلو، فالسماء لا تُعطي أحدًا امتيازًا دائمًا. كم من طائرةٍ حلّقت بثقة، ثم أسقطها خللٌ صغير لم يُلتفت إليه. وكذلك الإنسان… قد يُهزَم لا بأكبر أخطائه، بل بأصغر غفلته. تعلمت أن الحكمة ليست في تجنّب العواصف، بل في عبورها.
في الطيران، لا نملك أن نمنع الرياح، لكننا نملك أن نُحسن التعامل معها. وهكذا الحياة… لن تخلو من اضطراب، لكن قوتكم في تماسككم، لا في هروبكم.
إلى أبناء وطني… في مملكتنا الصغيرة بحجمها، الكبيرة بأهلها، العظيمة بقيمها، أقول: لقد رأيت العالم من أعلى، ورأيت أممًا كثيرة، وثقافاتٍ متعددة، لكنني لم أرَ أجمل من شعبٍ يعرف معنى الكرامة، ويحفظ للإنسان إنسانيته. فحافظوا على هذا النور… فهو أثمن من كل ثروة، وأبقى من كل سلطة.
إن الأوطان لا تُبنى بالحجارة فقط، بل بالقلوب التي تُحب، والعقول التي تُفكّر، والأيادي التي تعمل بإخلاص. فكونوا أنتم البناء الحقيقي، لا مجرد سكانٍ في الجغرافيا.
وإلى كل وطننا العربي… لقد عبرت سماءكم مرارًا، ورأيتكم من الأعلى كجسدٍ واحد، رغم ما بينكم من حدود. فاعلموا أن قوتكم في وحدتكم، وأن ما يجمعكم أكبر مما يفرّقكم. فاللغة واحدة، والتاريخ مشترك، والألم واحد… فلماذا لا يكون الأمل واحدًا أيضًا؟
أما إلى الإنسانية جمعاء… فإن السماء التي كنت أطير فيها لم تكن تُفرّق بين إنسانٍ وآخر، ولا بين لونٍ وآخر، ولا بين دينٍ وآخر. كانت تحتضن الجميع دون تمييز، وتُذكّرني دائمًا أن الإنسان، في جوهره، كائنٌ هش يبحث عن الأمان، وعن معنى لوجوده.
لقد أدركت بعد كل هذه السنوات، أن أعظم ما في الحياة ليس الوصول، بل الرحلة. وليس الإنجاز، بل الأثر.
وليس أن تُحلّق عاليًا، بل أن تعود بقلبٍ أوسع، وعقلٍ أنضج، وروحٍ أكثر رحمة.
كبرنا… واكتشفنا أن الفرح ليس دائمًا صافيًا، وأن وراء كثيرٍ من الضحكات حزنًا صامتًا. وأن القوة ليست في أن لا نبكي، بل في أن نعرف لماذا نبكي، ومتى نتوقف.
تعلمت أن الفقد ليس نهاية، بل بداية لفهمٍ أعمق للحياة. وأن ما نخسره أحيانًا، يُعلّمنا أكثر مما نملكه. وأن الزمن لا يُعيد ما أخذ، لكنه يُعطينا قدرةً على التقبّل.
وأخيرًا… لو عاد بي العمر، لما اخترت طريقًا آخر، لكنني كنت سأحمل معي قلبًا أكثر حضورًا، وأقل انشغالًا. فالحياة لا تُقاس بعدد الرحلات التي نقطعها، بل بعدد اللحظات التي نشعر بها بصدق.
يا أبنائي… يا أحفادي… يا أبناء وطني وأمتي… لا تجعلوا الحياة سباقًا نحو الارتفاع، بل رحلةً نحو المعنى. وازنوا بين السماء والأرض… بين الطموح والإنسانية… بين العقل والقلب.
فإن كانت السماء قد علّمتني كيف أطير… فإن الأرض وحدها علّمتني كيف أكون إنسانًا. وما بينهما… عشتُ عمرًا، أرجو أن يكون قد ترك أثرًا طيبًا… ولو في قلبٍ واحد.

كابتن أسامه شقمان
.

التعليقات

لا يوجد تعليقات
تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
بقي لك 300 حرف
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012