أضف إلى المفضلة
السبت , 13 تموز/يوليو 2024
السبت , 13 تموز/يوليو 2024


هي غزة

بقلم : أيمن الصفدي
03-08-2014 12:53 AM
هي غزة. تنزف مرة أخرى، لتعرّي وحشية الدولة الإسرائيلية، ولتنسف الفرضيات التي ارتكزت عليها الجهود السلمية على مدى أكثر من عقدين. هي غزة. تعاني القصف والدمار مرة أخرى، لتثبت أن مجتمعا يؤيد أكثر من 85 % من شعبه قتل الأطفال لن يوقف حربه إلا إذا دفع ثمنها. هي غزة. تستدعي عبر دماء أبنائها نهجا جديدا في التعامل مع كيان هو بكل المعايير القانونية والإنسانية كيان غاصب مبني على الكراهية والخوف من السلام.
لزمن طال كثيراً، انخرط العرب في عملية تفاوضية مع إسرائيل وفق معادلة الأرض مقابل السلام. بُنيت الاستراتيجيات التفاوضية العربية على أساس أن السلام مطلب إسرائيلي إنْ عرضه العرب على إسرائيل أنهت احتلالها وحصل الفلسطينيون على حريتهم ودولتهم.
بيد أنّ عقدين من المفاوضات أثبتا عبثية هذا النهج. قدّم العرب العرض تلو الآخر والتنازل بعد التنازل. إلا أن ذلك لم يغير في السياسة الإسرائيلية شيئا. ظلت إسرائيل على خداعها. تفاوض لتكسب الوقت. وتعمل لتغيّر الحقائق على الأرض. وسّعت المستوطنات. قوّضت بنية المجتمع الفلسطيني. أحالت غزة سجنا. وأطلقت آلة دمارها لتقتل أنى شاءت.
فعلت إسرائيل ذلك لأنه ليس هناك ما يردعها. الولايات المتحدة، القوة الكبرى في العالم، تدعمها بالمطلق. ترسانتها العسكرية لا تضاهى. الفلسطينيون منقسمون. والعالم العربي يتدمر من الداخل. بالإضافة إلى كل هذا، ينشأ الإسرائيليون على كراهية العرب والخوف من السلام، عبر سياسة رسمية تشيطن العرب وتبيح قتلهم، ما يجعل التعويل على أي رادع أخلاقي إسرائيلي وهما.
إسرائيل لا تريد السلام لأنها لم تفقده. لا يدرك الإسرائيليون الآن قيمة السلام لأنهم لم يذوقوا ويلات الحرب. سكان تل أبيب يفترشون رمال شواطئها بينما يبحث أهالي غزة عن قبور لأطفالهم. غزة بالنسبة إليهم عالم بعيد تسكنه الوحوش. والحرب في عيون أكثريتهم لعبة فيديو لا تحرك مشاعرَ ولا تمثل خطرا.
لا منطق في الاستمرار في الاستراتيجية الحالية في التعامل مع إسرائيل. لا بد من استراتيجية جديدة تنطلق من حقيقة أن إسرائيل لن تنهي احتلالها للأراضي الفلسطينية، ولن تعود عن غطرستها إلا إذا صار السلام لها حاجة.
هذا يعني أنه على إسرائيل أن تدفع ثمن عدوانيتها. وليست الحرب العربية على إسرائيل هي سبيل تحقيق ذلك. فهذا خيار غير متاح، ويأخذ الصراع إلى ميدان لإسرائيل فيه الغلبة. لكنْ ثمة سبل عديدة أخرى، إن سارت عليها ما بقي من الدول العربية المتماسكة التي تدرك مركزية إنصاف الفلسطينيين لأمنها واستقرارها، استطاعت أن تجبر إسرائيل على إدراك استحالة استمرارية تمتعها بالأمن والسلام وهي تحرم الفلسطينيين والمنطقة منهما.
أول هذه السبل هو إعادة فرض حصار عربي سياسي واقتصادي على إسرائيل، ودعم ثبات الفلسطينيين على أرضهم وسبل تصديهم لمحاولات إسرائيل سرقتها. رد الفعل العربي الأدنى على مجازر غزة هو مأسسة آلية عمل تعيد صياغة فرضيات التعامل مع إسرائيل. وثمة مساحة للعمل في مؤسسات المجتمع الدولي، تشمل الملاحقة القانونية لإسرائيل ومسؤوليها في محكمة العدل الدولية وفي محاكم الدول التي تتيح قوانينها مقاضاة الأجانب على الجرائم ضد الإنسانية.
وهناك أيضاً فرصة البناء على تراجع الدعم لإسرائيل عالميا. فحتى في أميركا، تظهر استطلاعات الرأي تراجعا في تأييد إسرائيل عند الشباب دون الثلاثين. هؤلاء هم قادة مستقبل أميركا. لكن إسرائيل لن تتركهم. ستعمل لاستعادة دعمهم. وستنجح إن لم يتحرك العرب منهجيا لكسب تأييدهم.
تغيير الفرضيات في التعامل مع إسرائيل ضرورة. لم يعد للحديث عن الحوافز وخطوات بناء الثقة مع إسرائيل سبيلا لتحقيق السلام جدوى. يجب العمل الآن على فرض عقوبات موجعة واتخاذ خطوات لبناء الضغوط على إسرائيل، لتعاني لو جزءا مما يعانيه الفلسطينيون نتيجة للواقع الذي تفرضه سياساتها. بغير ذلك، ستبقى إسرائيل على عدوانيتها. وبعد أيام قليلة من صمت المدافع، وبانتظار عدوان جديد، سينسى العالم غزة. وستصبح 'الشجاعية' شيئا من الماضي. كدير ياسين وصبرا وشاتيلا من قبلها، ستصير مجرد ذاكرة تبكي أمهات ضحاياها، لكنها لا تحرك في غيرهن فعلا يحول دون تكرارها.
(الغد)

التعليقات

1) تعليق بواسطة :
03-08-2014 09:16 AM

ملخص المقال: ما زال صاحبه يعترف باسرائيل، ويريد فقط حصارها ومعاقبتها، لتعود من جديد تدمر وتشرد، وكأنه مشفق على سياسة اسرائيل التي تضر بوجود اسرائيل.

السؤال المطروح اليوم: هل تعترف أنت باسرائيل وبوجود اسرائيل؟ أم لا؟

هذا هو سؤال الأجيال الحاضره، ومن يجيب بنعم عليه أن يعلم أنه لا يعيش واقعه في الشرق، بل هو يعيش أوهام الغرب بجسد الشرق، وهذا التناقض يؤدي إلى الجنون.

2) تعليق بواسطة :
03-08-2014 03:31 PM

و الله خالد المجالي طلع بكتب احسن منك بكثييييير !

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
بقي لك 300 حرف
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012