أضف إلى المفضلة
الأربعاء , 20 حزيران/يونيو 2018
الأربعاء , 20 حزيران/يونيو 2018


الأردن .. فقر في المال , وفقر في قادة الرأي العام !

بقلم : شحاده أبو بقر
28-02-2018 10:11 PM

من دون مقدمات , فنحن في الأردن وإلى جانب فقرنا المادي الشديد , نعاني فقرا أشد في وجود ' قادة رأي عام ' , أو لنقل قيادات مجتمعية ذات حضور وأثر في مجتمعاتها الصغيرة والكبيرة على حد سواء , وتلك مشكلة كبرى لها آثارها السلبية على المجتمع كله .

في المجتمعات الغربية الثرية المتطورة علميا هناك قادة رأي عام أتوا إما من رحم حياة حزبية أو هم مفكرون أو رجال مال وأعمال أو هم إعلاميون ,.. ألخ , وفي المجتمعات المتخلفة علميا في الكثير من أرجاء الكوكب هناك زعامات قبلية تقود الرأي العام في بلدانها
على نحو ما ترى وتريد ولا مشكلة لديها أو لحكوماتهاوسلطاتها الرسمية
في ذلك .

في الأردن على وجه التحديد , بتنا ومنذ ربع قرن تقريبا نفتقر إلى ذلك النمط المطلوب من قادة المجتمع والرأي العام , فبالكاد تجد رجلا ' يمون ' على أحد آخر خارج نطاق أسرته , هذا طبعا إن كان يمون ويحترم رأيه ! .
أيام زمان كانت لدينا زعامات عشائرية وقبلية تقود الرأي العام في مجتمعاتها , وكانت السلطة الرسمية لا تحتاج إلى أي عناء في التعامل مع تلك المجتمعات , فمجرد توافقها على رأي ما مع تلك الزعامات يكفي لنفاذه دون أية معارضة .

وعندما شرعنا قانونا للأحزاب في التسعينيات من القرن الماضي وبدأنا التحول نحو ما نسميه بالدولة المدنية , إنتهى عمليا دور القيادات المجتمعية العشائرية والقبلية بصورة جلية , وبتنا بإنتظار أن تنضج الحياة الحزبية لتفرز قيادات رأي عام بما ينسجم مع مفهوم الدولة المدنية !

ما حدث هو أن الحياة الحزبية وبالذات الجديدة منها لم تنضج حتى تاريخه !, ولم تتمكن بالتالي من إنتاج قيادات رأي عام بديلة للقيادات العشائرية والقبلية والعائلية التي كانت وتلاشى دورها بشكل كبير جدا .

في ضوء ذلك صار حالنا كمن فقد قديمه ولم يوفق بالحصول على جديد ! , أي ولغاية التشبيه والتوضيح فقط , صرنا كمن حزم حقائبه وغادر منزله صوب الحدود بغية السفر , ختم جوازه مغادرا من نقطة حدود بلده , ثم سار ماشيا نحو نقطة الحدود في البلد الآخر بغية ختم جوازه قادما إليه , إلا أنه ولسبب ما توقف في ' المنطقة الحرام ' الفاصلة بين نقطتي حدود البلدين , وظل متوقفا فيها حتى اليوم , بمعنى لا هو غادر بلده !, ولا هو دخل إلى البلد الآخر !

في هذه الحالة يصف الطب السياسي إن جاز التعبير ,
لهذا المسافر الذي لم يسافر! , أحد أمرين , فإما أن يتقدم نحو نقطة الحدود في البلد الآخر ويختم جوازه ويكمل سفره , أو أن يعود إلى نقطة حدود بلده ويبلغهم بأنه قد غير رأيه وسيعود من حيث أتى .

منطقيا نحن في الأردن اليوم أمام أحد خيارين , فإما أن نصنع نهضة حزبية حقيقية تنتج قادة ورجال دولة حقيقيين , وإما أن نعود إلى ما كنا عليه قبل تشريع الأحزاب والحديث عن دولة مدنية , على أن هذا الخيار الثاني ما عاد ممكنا بسهولة أبدا , فقد تغيرت أنماط تفكير المجتمع وتعددت أدواته وصار من الصعب عودته إلى ما كان عليه قبل ربع قرن .

ولكي أشرح مبتغاي من هذا المقال بشكل أوضح , فأنا أعني أننا شطبنا دور القيادات المجتمعية التقليدية وفق نهجنا السابق منذ نشوء الدولة , وتوجهنا نظريا نحو ما نسمية بالدولة المدنية التي تتولى الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني الفاعلة فيها مهمة إنتاج قيادات مجتمعية لا بد من وجودها كي تنهض الدولة وتتقدم , عندما تفرز تلك الأحزاب برلمانات وحكومات مختارة عمليا من قبل الشعب وهو مصدر السلطات بمقتضى الدستور .
الواقع أننا لم نوفق كما يجب لا في قرارنا الأول ولا في قرارنا الثاني , فقد تلاشت القيادات المجتمعية وفق النهج القديم الذي كان يفرز قيادات بصورة حقيقية تنهل الدولة منه شاغلي مواقع المسؤولية بثقة وراحة بال , وفي المقابل عجزت الأحزاب عن ملء الفراغ , ولها أسبابها في ذلك , ومنها كما تقول أسباب داخلية مجتمعية تتمثل في عزوف الناس عن الإنتساب إليها إلا ما ندر , وأسباب أخرى تلقي بتبعيتها واللوم فيها على كاهل السلطة الرسمية , وترى أنها لا تريد أحزابا حقيقية وإنما مجرد هياكل ديكورية فقط ! , وبالتالي فقد تعطلت عمليا ' ماكينة ' إنتاج قيادات سياسية مجتمعية ! .

هذا الحال الذي نقف فيه في إطار المنطقة الرمادية حيث لا قيادات تقليدية إجتماعية سياسية , ولا أخرى سياسية حزبية , جعل حكوماتنا ومناصبنا ومواقع المسؤولية عندنا كلها نتاج تدوير أسماء بعينها كما لو كانت البلد حكرا على تلك الأسماء دون سواها , حتى بلغ بنا الامر حد التساؤل .. عن أي منصب سنسند لهذا المسؤول إذا ما أخرجناه من الحكومة أو أي موقع متقدم لسبب ما !, وتجهد سلطاتنا أنفسها كثيرا في تأمين موقع مضمون لذلك المسؤول قبل أن يغادر موقعه , كي يرتاح فيه إلى أن يأتيه الدور ثانية في حكومة أخرى مع رئيس آخر .

كيف يمكن أن نقتنع بأن القيادات السياسية الآتية من فرز إجتماعي أو حزبي بصورة طبيعية أهلتها عمليا لإمتلاك صفات القيادة , هي وحدها القادرة على إخراج بلدنا من كل تحدياته السياسية والإقتصادية والإجتماعية وحتى الامنية ! ! . لا أعرف كيف ومتى ! ولا حول ولا قوة إلا بالله , وهو سبحانه من وراء القصد .

التعليقات
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012