أضف إلى المفضلة
الخميس , 20 أيلول/سبتمبر 2018
الخميس , 20 أيلول/سبتمبر 2018


من هبوب الجنوب الى عمر الرزاز : أيها الفتى الحالم يكفي أن ملهم البعث منيف الرزاز ذاق المرارة قلا تذقنا إياها أنت أيضا

بقلم :
13-06-2018 04:16 PM

كان مؤنس الرزاز انعكاسا تاما لشخصية الشاعرة والمثقفة السيدة الراحلة لمعة بسيسو والدته , بالمقابل كان عمر انعكاسا ..تاما لشخصية والده (منيف الرزاز) ...العنيد والشرس .

ودعوني هنا قبل أن ألج باب البوح , أستحضر قليلا من التاريخ الذي لم يكتب , والذي جمعته من رحلاتي إلى العراق ما بين الأعوام (95- 2001) ...كنت وقتها حين أجلس مع أساتذة الجامعات ومن تدرجوا في البعث أسألهم : مالذي جعل صدام حسين يضع منيف الرزاز في الإقامة الجبرية ...؟ هذا السؤال تعددت الإجابات فيه , حتى عائلة الراحل منيف الرزاز لم تملك إجابة قاطعة ...ولكن كل الإجابات كانت تدين صدام وتنصف منيف والحقيقية غير ذلك تماما .

حين انتخب منيف الرزاز مع شبلي العيسمي والرفيق عفلق وصدام حسين عام 1977 كأمناء مساعدين لحزب البعث , لم يكن صدام يخطط لإدخالهم في إدارة الدولة ...فالدولة لديه حالة والبعث لديه حالة أخرى , حتى وإن كان البعث في أبجديات الرفاق قائدا للشعب والدولة .... كان يريد منهم أن يشكلوا قاعدة ومرجعية أيدولوجية للبعث فقط ...ومن الغريب أن منيف الرزاز كان وقتها في موسكو , كي يأسس جمعية للصداقة الروسية الأردنية , ولم يكن يفكر بقيادة البعث أبدا ...

حين غادر لبغداد , وسكن على ضفاف دجلة ..من ضمن ما قاله منيف الرزاز لطارق عزيز : (أنه لن يكون ديكورا في الحزب بل سيكون مقررا وفاعلا ) وكان من المعجبين جدا بشخصية صدام حسين ...لكن الصراع بدأ بينهما بطريقة غريبة لم يكن لصدام حسين ذنب بها ...ففي إحدى الجلسات , انتقد صدام حسين كتاب (التجربة المرة) والذي ألفه الرزاز عن حياته في البعث السوري ووصفه بأنه : نشر غسيل ..وتشويه تام لصورة الحزب ..وكان الكتاب كذلك , فهو لم ينتقد شخوص البعث في سوريا بل انتقد كل أفكار عفلق , لدرجة أن منيف الرزاز كان يعتقد بأن عفلق سطى على تروتسكي , ونقل كل أفكاره في الشيوعية إلى البعث ...كان الرزاز يعتقد أيضا ,أن إفراغ البعث من الأبعاد الدينية ..هو مجرد تأثر بالرفيق تروتسكي ...وأن الدين فيه معان ودلالات ويجب أن يكون ثابتا من ثوابت الحزب ...

منيف الرزاز لم يعجبه نقد صدام حسين , وخرج من الإجتماع واستدعى طارق عزيز ..وطلب منه أن يرسل برسالة كتبها إلى الرفيق صدام وكان فحواها : (أيها الفتى الحالم , حين كنت مراهقا تلهو مع أقرانك في العراق ..كنت أقود البعث في سوريا) ...

كانت تلك الرسالة , هي بداية الخصومة ...لكن صدام في ذلك الوقت استوعب المسألة , وطلب من طارق عزيز أن يرتب له موعدا كي يقدم اعتذاره للرزاز ..ولكن الأخير رفض ذلك واكتفى بما نقله عزيز ...

بدأ الصراع بين الدولة والإيدولوجيا , صدام يمثل الدولة وكان يؤمن بنظرية ميشيل عفلق التي تقول : (لابد من تقديم القرابين حتى يستمر النيل في سريانه)...بالمقابل كان الرزاز ينظر لعفلق على أنه شخصية انتهازية تخاف صدام وتخشاه ...كانت تلك المقولة هي المبرر فيما بعد لدى صدام حسين كي يقوم بحركة الإعدامات عام (79) .. باسم تحصين الحزب والدولة .

الذي قض مضجع صدام , وأنهى العلاقة بينه وبين الرزاز هو رفض منيف الرزاز لهذا الأمر واعتباره ظلما وخروجا عن أعراف الحزب وقيمه , وحين أراد صدام حسين أن يمتص غضب الرزاز , طلب منه أن يستمع لأحد أعضاء القيادة القومية في حزب البعث ..حول تلك المؤامرة وتفاصيلها , وهذا العضو كان من الناس التي كشفت خيوطها ...وشهدت عليهم ...

ما جعل صدام يقطع شعرة معاوية , هو صراخ الرزاز في وجهه يومها وقوله : (أتشكك بكلامي وتريدني أن أستمع لذلك الخسيس).. مع ذلك ظل صدام يحاول أن يستوعب الرزاز وأرسل له طارق عزيز , لكنه قام بطرده من المنزل ...وخرج طارق باكيا لدرجة أن صوت بكائه , جلب الحرس والمرافقين ..فقد أدرك لحظتها أن الرزاز قد انتهى دوره كقاعدة البعث الأيدولوجية

ظلم صدام حسين , في قضية الصراع مع منيف الرزاز حتى عندما طلب منه الملك حسين الإفراج عنه قال له : أتريده ان يعود للأردن ويكتب التجربة الأمر بدلا من المرة , كانت تلك المرة الأولى التي لم يستجب فيها صدام لطلب الملك حسين ...

منيف الرزاز حوصر وفرضت عليه الإقامة الجبرية وقيل أنه اغتيل , ولا أظن ذلك ..فلو كان لدى صدام رغبة بتصفيته لفعلها في العام (79) ....ولكننا نقرأ التاريخ بشكل معكوس تماما ..وأكثر سيدة فهمت صدام , هي السيدة لمعة بسيسو ..التي قالت في العام (91) لنجلها مؤنس حين قصف إسرائيل بالصواريخ : (الان غفرت وسامحت صدام حسين)...

منيف قال عنه طارق عزيز : أنه يختطف الرأي , فحين يطرح أمرا لايجوز أن تجادله , وكان جريئا لدرجة الموت ...وربما شخصية عفلق هي التي استفزته ودعته ليخرج عن أبجديات البعث كاملة ...ولكن لنتفق على أمرمهم وهو : أنه الوحيد الذي واجه صدام على أرض العراق , وهو الوحيد الذي تجرأ على صدام ..ودفع حياته ثمنا لذلك ...

العراقيون - وللأسف - ومنهم المؤرخ (فايز الخفاجي) كلهم أدانوا صدام وأنصفوا منيف ...والحقيقة غير ذلك , فالمؤرخ لايجوز أن يلطخ سمعة قائد دولة لأجل منظر ...هي ذاتها العلاقة بين تروتسكي وستالين فلو تركت القيادة لتروتسكي لهزمت روسيا في الحرب العالمية الثانية ...

بعض تلك التفاصيل يعرفها مازن الساكت الوزير السابق أحد أقطاب البعث والذي كان مقيما في العراق...وربما كانت الرسالة التي أرسلتها السيدة منى الساكت زوجة مازن إلى صدام والتي اقترحت فيها ,إنشاء محكمة من قيادات البعث العربية ومحاكمة الرزاز ...وإذا ثبت أنه مذنب وكان يحيك مؤامرة على القيادة والحزب ..فسأطلق النار عليه بنفسي , هكذا قالت في الرسالة ...ويقال أنها أخذت صدى واسعا وجدلا وصدام ولم يهملها بل كان يفكر جديا في المقترح لكن الحرب العراقية الإيرانية المستعرة في ذلك الوقت لم تمهله أو تعطيه وقتا للتفكير في مضمونها .

تلك إضاءات مختصرة جدا , لما جمعته عن الصراع بين الرزاز وصدام ....ولكن السؤال هل الفتى استنساخ لأبيه ...؟

سأختم ما كتبته برسالة للرئيس المكلف , لقد ظلم والدك والتاريخ أنصفه ..وصدام حسين هو الاخر ظلم في صراعه مع منيف والتاريخ حتما سينصفه ...لكن والدك هو الوحيد في العالم العربي الذي تجرأ وواجه صدام حسين ووصفه بالفتى الحالم ....

كل ما أتمناه أن تقرأ مقالي جيدا , وأن لا تكون حكومتك تجربة مرة علينا تماما كما مرت سنوات البعث على والدك في سوريا وعلى والدتك السيدة لمعة بسيسو ...فتوجها بكتابه التجربة المرة والذي عرى فيه المرحلة تماما..

دولة الرئيس المكلف , لقد بحثت في تاريخ أبيك بحكم أني بعثي في التفكير والحرف والمنشأ ..أكثر مما بحثت أنت , وأعجبت به لدرجة ..أني ايقنت بأنه كان ملهم البعث ...ولكني حين قرأت ماسرب من تشكيلة حكومتك ... شعرت كأني أعيد قراءة كتاب والدك التجربة المرة .... لو كان منيف الرزاز حيا ...لبعث لك برسالة مطلعها : أيها الفتى الحالم ....

يكفي أن ملهم البعث منيف الرزاز ذاق المرارة , فلا تذقنا إياها أنت أيضا

التعليقات

لا يوجد تعليقات
تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
بقي لك 300 حرف
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012