أضف إلى المفضلة
الأحد , 07 حزيران/يونيو 2020
الأحد , 07 حزيران/يونيو 2020


المسؤولية الاجتماعية للشركات .. شراكة في التنمية

بقلم : الدكتور محمد أبو حمور
19-05-2020 05:12 AM

جاءت زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله لشركة البوتاس العربية الاسبوع الماضي استمراراً لمتابعة جلالته لعمل القطاعات الاقتصادية المختلفة، وخلال هذه الزيارة أشار الى ضرورة توجيه مخصصات المسؤولية المجتمعية للشركة لغايات تمكين الشباب وتوفير فرص عمل لهم، وهذا يشير بوضوح الى رؤية ترتقي بمفهوم المسؤولية المجتمعية ليس لشركة البوتاس فقط وانما لمختلف الشركات العاملة في المملكة بحيث تصبح هذه المسؤولية أداة لتحقيق أهداف تنموية واجتماعية موجهة بشكل مباشر لمعالجة المصاعب والتحديات التي يعاني منها المجتمع الاردني.

من المتفق عليه أن القطاع الخاص يؤدي دوراً محورياً في الاقتصاد الاردني ويساهم بشكل فاعل في تحقيق مكتسبات تنموية على مختلف الاصعدة ،وقد ازدادت أهمية القطاع الخاص ودوره في تحقيق التنمية وتوليد فرص العمل خلال السنوات الاخيرة بفعل سياسات التخاصية والانفتاح على الاقتصادات العالمية وتقلص دور الدولة في النشاط الاقتصادي.

وتبعاً لذلك فقد تعاظمت الدعوات الى ضرورة توفير البيئة المناسبة لتحفيز الاستثمارات المحلية وجذب الاستثمارات الخارجية، ولكن ومع التأكيد على سلامة هذا النهج يجب ان لا ننسى بان الشركات ومؤسسات الاعمال المختلفة يترتب عليها واجبات والتزامات تجاه العديد من الاطراف، فهي أولاً مسؤولة تجاه المساهمين وأصحاب العمل فلا بد لها ان توفر عائداً مناسباً لاستثماراتهم وجهودهم، كما أن مسؤوليتها تشمل العاملين فيها من حيث توفير الرواتب المناسبة وبيئة العمل الملائمة مع الحفاظ على سلامتهم وصحتهم المهنية والتأكد من رفع مستواهم المهني بشكل مستمر.

ناهيك عن أن مؤسسات الاعمال تتحمل مسؤولية تجاه المستهلكين عبر توفير منتجات ذات جودة عالية وباقل كلفة ممكنة، أضافة لذلك هناك مسؤولية تجاه الحكومة تتمثل في الالتزام بمراعاة التشريعات ذات العلاقة بما في ذلك دفع ما يترتب عليها من ضرائب ورسوم والالتزام بمعايير النزاهة والمساهمة في تعزيز الممارسات الفضلى .

ولا ننسى أيضاً مساهمة الشركات ومؤسسات الاعمال في تطوير وتنمية المجتمع الذي تعمل في فضائه سواءً من حيث الحفاظ على البيئة والتأكد من استدامة الاعمال، ولا شك بان المسؤولية الاجتماعية تشمل مختلف المجالات المشار اليها، الا أننا سوف نتناول بالتحديد ما يتعلق بتطوير وتنمية المجتمع.

بعيداً عن الخوض في المفاهيم النظرية والتعريفات المتعددة يمكن القول أن مفهوم مسؤولية الشركات ومؤسسات الاعمال تجاه المجتمع يتمحور حول ايجاد توازن بين مختلف الاطراف والشركاء الذين يتأثرون بالنشاطات الاقتصادية، وبحيث لا يتم التركيز على تحقيق الارباح فقط وانما ايضاً لا بد من ايلاء الاهتمام الكافي للاعمال التي تحقق مصلحة المجتمع ، خاصة وأن ذلك أصبح في كثير من الاحيان متطلباً أولياً للسماح لمؤسسات الاعمال بممارسة أعمالها.

كما ان الانشطة الاجتماعية كثيراً ما تستخدم لتقييم مستوى أداء الشركات ، وبالرغم من أن هذا المفهوم يرتبط عادة بكونه التزاماً أخلاقياً من الشركات بالمساهمة في تنمية المجتمعات ،الا انه لا يمكن ان يتم النظر له كاطار للاعمال الخيرية فقط، فالمسؤولية الاجتماعية تحمل في طياتها أبعاداً أعمق ، واثرها يمكن ان يشكل فارقاً في حياة المجتمعات فهي في النهاية ليست ترفاً أو دعاية تجارية بل لا بد لها من تعاضد العديد من الجهات ليمكن بالتالي ان نجني الاثر الايجابي الذي يمكن تحقيقه.

ولا يمكن ان نغفل الاثر الايجابي على الشركات نفسها جراء قيامها بتأدية هذه السؤولية فلا بد لها ان تساهم في توثيق العلاقة بالمجتمع والمستهلكين مما ينعكس بالتالي على نتائج أعمال الشركة.

التأكد من ان الشركات ومؤسسات الاعمال تساهم في تحقيق التنمية لدى قيامها باداء مسؤوليتها الاجتماعية يتطلب منا ان ندرك المقدمات الاساسية التي يمكن ان تجعل هذا الهدف قابلاً للتحقق، وهنا لا بد من الاشارة الى أهمية التنسيق بين مختلف القطاعات بما في ذلك القطاع الخاص والقطاع العام ومؤسسات المجتمع المدني ، فكل طرف من هذه الاطراف يترتب عليه الاضطلاع بدوره وعلى أكمل وجه لنستطيع تحقيق الهدف الاسمى المتمثل في التنمية الاقتصادية والمجتمعية المستدامة.

فالقطاع الخاص هو من يقوم بتبني مبادرات المسؤلية المجتمعية،والمطلوب منه ان لا يتم تبني المبادرات بشكل فردي فلا بد من تضمين أنشطة المسؤلية الاجتماعية في الاستراتيجات المعتمدة من الادارات يلي ذلك تعاون مختلف الشركات والمؤسسات لتتفق على أهداف عامة ونشاطات محددة يتم القيام بها بشكل متناسق وعلى مختلف الاصعدة .

وقد يكون من الاجدى ان يتم توجيه الجهود لتحقيق التنمية البشرية بشكل أساسي، وذلك من خلال الانشطة التعليمية والتدريبية بما في ذلك تغطية النقص في المرافق التعليمية في المناطق الفقيرة، وكذلك توفير دورات تدريبية للعاطلين عن العمل لتمكينهم من التأقلم مع متطلبات سوق العمل .

ومن المفيد أيضاً ان تشمل الانشطة المجتمعية المساهمة في نفقات تعليم بعض الطلبة المتميزين وغير القادرين مادياً خاصة في المجالات المتعلقة بعمل هذه الشركات، كما أنه من الضروري أيضاً المساهمة في الحفاظ على صحة المجتمعات المحلية عبر المساهمة في توفير جزء من المتطلبات اللازمة لهذه الغاية، خاصة اذا تم ذلك في اطار السعي لتقليص الاثار البيئية للانبعاثات التي قد تؤثر على الصحة.

كما أن ترشيد استهلاك المصادر الطبيعية وباقي متطلبات الحفاظ على البيئة يشكل مساهمة هامة في تحقيق التنمية المستدامة، أضافة لذلك لا بد من مراعاة ظروف المجتمعات المحلية وأمكانية خدمتها عند قيام بعض الشركات بانشاء بنى تحتية لخدمة أغراضها الانتاجية ، ومن المهم أيضاً محاولة الاستفادة من القوى البشرية المحلية في الوظائف والاعمال التي تتطلبها نشاطات الشركة، ولا ننسى أيضاً أهمية التزام الشركات بالحوكمة الرشيدة والنزاهة والشفافية في اداء اعمالها وبما يؤدي لمكافحة الفساد المالي والاداري في مختلف القطاعات.

لغايات تمكين قطاع الاعمال من القيام بدور ريادي فيما يتعلق بالمسؤولية المجتمعية لا بد ان تتعاون معه القطاعات المجتمعية الاخرى وخاصة القطاع العام من حيث توفير البيئة الملائمة لتوطيد وترسيخ وتشجيع هذا المفهوم عبر الاهتمام بمبادرات القطاع الخاص من خلال وضع بنية تحتية من التشريعات الملائمة والاليات الرقابية التي تضمن نجاح مبادرات القطاع الخاص عبر تنسيقها وتوجيهها نحو الاولويات الوطنية والمساعدة عبر توفير المعلومات والاحصائيات والدراسات التي كثيرا ما تشكل قاعدة للنجاح والتميز.

ويمكن أيضاً تشجيع وتعزيز هذه التوجهات من خلال محفزات مادية ومعنوية مثل الاعلان عن انجح المبادرات أو اكثرها ابداعاً وابتكاراً ، أضافة لذلك لا بد ان تقوم الجهات بتسهيل حصول الشركات على التصاريح والموافقات اللازمة لتنفيذ مبادراتها بيسر وسلاسة ومساعدة الشركات على تجنب التكرار في تنفيذ المبادرات مع تشجيع مشاركة المجتمعات المحلية في هذه المبادرات لترسيخ فكرة العمل التطوعي.

كما تستطيع مؤسسات المجتمع المدني ان تقوم بدور فاعل في انجاح مبادرات المسؤولية الاجتماعية عبر تعاونها مع مؤسسات القطاع الخاص من خلال المشاركة الفاعلة وتقديم المبادرات والمقترحات والدعم اللازم لانجاح هذه االنشاطات ، ومن بين هذه المؤسسات نخص بالذكر وسائل الاعلام التي يقع على كاهلها دور مهم في نشر ثقافة المسؤولية المجتمعية ومبادرات القطاع الخاص والتوعية بأهميتها ودورها المجتمعي وما يترتب عليها من اثار ايجابية،أضافة الى تقويم اي اخطاء او هفوات قد تظهر عبر الانتقاد البناء والمتابعة الحثيثة لهذه المبادرات.

ومن الواضح ان ترسيخ مساهمة المسؤولية المجتمعية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية يتطلب التكامل بين مبادرات القطاع الخاص من جهة وبين الاجراءات الحكومية وجهود مؤسسات المجتمع المدني من جهة اخرى ، ومن خلال هذا التكامل والتنسيق يمكن تحقيق نتائج أفضل بكثير كماً ونوعاً وبما ينعكس على رفاه المجتمع وازدهاره، ويساهم في التغلب على المصاعب والتحديات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية وتنمية الموارد البشرية والحفاظ على الموارد الطبيعية وترشيد استخدامها.

عدا عن ذلك لا بد ان تكون مبادرات المسؤولية الاجتماعية مصممة للتعامل مع ظروف المجتمع ومعالجة المشاكل التي يعاني منها بحيث تصبح أداة مكملة للجهود المختلفة التي تبذل في هذا المجال لكي نتمكن من التعامل المباشر مع ما تتطلبه المعطيات على أرض الواقع وهذا ما كان واضحاً في التوجيهات الملكية التي اشرت لها في بداية المقال.

تحقيق التنمية والارتقاء بالمجتمعات ليس مهمة القطاع الخاص فقط بل هو مسؤولية مشتركة و يتطلب تعاوناً وتنسيقاً بين مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية ، على ان يكون الهدف المشترك الذي يتم السعي لبلوغه هو تحقيق تنمية مستدامة تنعكس اثارها على سائر المكونات المجتمعية باعتبار ان هذا هو السبيل الافضل لمواجهة التحديات الحالية وبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة وفي هذا الاطار تشكل مبادرات المسؤولية الاجتماعية حلقة في سلسلة الاجراءات والبرامج والنشاطات التي لا بد من القيام بها لتحقيق هذه الغاية.الرأي


التعليقات

لا يوجد تعليقات
تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
بقي لك 300 حرف
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012