أضف إلى المفضلة
الأحد , 18 شباط/فبراير 2018
الأحد , 18 شباط/فبراير 2018


المواقف الإصلاحية والقومية لماجد العدوان

بقلم : فريق ركن متقاعد موسى العدوان
23-03-2013 11:07 AM

تاريخ العظماء ليس حكرا على عائلاتهم وأقاربهم ، بل هو ملك للأمة بكافة أطيافها ، تفخر به وتسير على هديه الأجيال اللاحقة . ففي هذه الأيام التي تعلو بها أصوات الأردنيين مطالبة بإصلاح مسيرة الدولة ، تعود بنا الذاكرة إلى مطالب إصلاحية مماثلة ، ومواقف وطنية وقومية نادى بها الشيخ ماجد العدوان في عشرينات القرن الماضي .

وإنني إذ أكتب هذه المقالة واصفا مزايا وأعمال ذلك الزعيم الوطني ، فلا أفعل ذلك بحكم صلة القربى التي تربطني به أو من منطلق عشائري ، وإنما بكوني قارئ للتاريخ يسعده إنصاف رجالات الأردن ، الذين أسهموا في بناء الدولة الأردنية والعمل على تخليد ذكراهم .

فالشيخ ماجد العدوان لمن لا يعرفه ، هو الابن الأكبر للشيخ سلطان العدوان أمير البلقاء ، كما كان يطلق عليه في أوائل القرن الماضي . فقد وُلد ماجد في شونة نمرين عام 1898 ووفر له والده الرخاء المادي وأتاح له فرصة التعليم ، من خلال استقدام المدرسين له ولأبناء قبيلته من فلسطين . وقد تمتع ماجد بعد أن اشتد عوده بصفات عز نظيرها بين الرجال ، من دماثة الخُلق ورجاحة العقل والكرم والفروسية ونصرة الضعيف . أما في تعامله مع الآخرين فقد كان خصما عنيدا لمن يعاديه . . وصديقا وفيا لمن يصادقه .

وعندما أدرك سلطان بذكائه الفطري نباهة ابنه وما يتمتع به من صفات الزعامة ، سماه شيخا على قبائل البلقاء ــ رغم أن والده يتمتع بهذه الصفة في الوقت ذاته ــ وأوكل له \\\' القيادة العسكرية لفرسان البلقاء \\\' . ولكن القدر لم يمهله طويلا ليحقق طموحاته الوطنية ، إذ انتقل إلى جوار ربه في ظروف غامضة عام 1946 وهو بسن لا يزيد عن 48 عاما .

لم يكن ماجد زعيما محليا معنيا بالقضايا الوطنية فحسب ، بل تجاوزت زعامته حدود الوطن واستحوذت القضايا القومية على اهتمامه أيضا ، حيث رفض مع والده دعوة الانجليز لهما بالموافقة على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ، مقابل تفويضهما بحكم معين في المنطقة . وعلى العكس من ذلك فقد كانا مساندين للثوار الفلسطينيين ضد العصابات الصهيونية.

ومن جانب آخر فقد تعاون ماجد مع الملك فيصل الأول ، في كفاحه ضد الفرنسيين في سوريا بمناسبات عديدة ، كان آخرها تشكيل فرقة تعدادها 500 مقاتل من متطوعي البلقاء ، تحركت لنجدة القوات العربية هناك . إلا أن الملك فيصل التقى اولئك المقاتلين في المزيريب قرب درعا بتاريخ 4 / 7 / 1920 ، وابلغهم بأ ن المعركة قد حُسمت لصالح الفرنسيين ، وطلب منهم العودة إلى شرق الأردن بعد تقديم الشكر والعرفان لهم على نخوتهم العربية الأصيلة .

أما على الصعيد المحلي فقد سبقنا ماجد في المطالبة جهرا ، بإصلاح الإدارة في بنية الدولة الأردنية الناشئة ، رافعا شعارا وطنيا تجاوز حدود البلدة والعشيرة ، معبرا عن طموحات المواطنين الشرفاء ، ألا وهو شعار \\\' الأردن للأردنيين \\\' ، ملتقيا بفكره ووجدانه مع شاعر الوطن مصطفى وهبي التل . وعلى ضوء ذلك التفّت من حوله عشائر البلقاء ، وأيدت دعوته بعض العشائر الأردنية ، إيمانا منها بصدق التوجه ووطنية حامله .
كانت دوافع تلك الدعوة كما روتها صفحات التاريخ تتمثل بالنواحي التالية :
1. انحياز إدارة الدولة إلى جانب مجموعة محددة من المواطنين على حساب مجموعة أخرى ، في محاولة منها للإيقاع بين طرفين مشهورين من أبناء الوطن .
2. سوء إدارة الدولة ممثلة برئيس المستشارين ( رئيس الوزراء مظهر رسلان ) ومسايرته للبريطانيين ، في عدم السماح باتخاذ الأردن قاعدة لعمليات المقاتلين ، ضد القوات الفرنسية التي تحتل سوريا .
3. عدم إشراك أبناء المنطقة المتعلمين في إدارة الدولة ، واقتصارها على القادمين من الأقطار العربية المجاورة والمرتزقة .
4. شعور المواطنين بأن بلادهم تستغل لمصلحة أشخاص غرباء ، لا يهمهم إلا الكسب منها على حساب أهلها الأصليين .
5. المطالبة بتأسيس مجلس نيابي يمثل أبناء الوطن تمثيلا حقيقيا .
6. المطالبة بتشكيل جيش وطني يضم جنودا وقيادة أردنية .
7. السعي لتخفيف الأعباء الضريبية على المواطنين .

لقد كان سمو الأمير عبد الله الأول ( الملك فيما بعد ) متعاطفا مع هذه المطالب العادلة ، ووعد بتلبيتها خلال أسبوع من تاريخه . إلا أن مستشاري السوء في حكومته أوصوا بعدم الاستجابة لتلك المطالب ، بحجة أنها ستفسر ضعفا من جانب الحكومة . ثم قامت على إثرها بإجراءات قمعية تمثلت باعتقال عدد من الشخصيات الوطنية وزجّهم بالسجون ، بتهمة تشكيل جمعية سرية تسعى للقيام بانقلاب على الحكومة والتعاون مع ماجد العدوان .

ونتيجة لهذا التحدي الذي قامت به الحكومة بتشجيع من المسؤولين البريطانيين ، أُضطرّ رجالات البلقاء ومناصريهم بقيادة ابن عدوان ، التوجه إلى الصدام المسلح مع قوات الحكومة ، والتي ساندتها المدرعات والطائرات البريطانية صباح يوم 16 / 9 / 1923 .

كانت نتيجة هذا الاصطدام أن فشلت حركة العدوان بمواجهة تلك القوة المتفوقة برا وجوا . واستشهد خلالها عدد من الشخصيات الوطنية ، ثم فر القائمون عليها إلى جبل الدروز في سوريا ، ولم يعودوا إلى الوطن إلا بعد أن عفا عنهم الشريف حسين عند زيارته لإمارة شرق الأردن عام 1924 . وبعد عودة ماجد ووالده سلطان إلى البلاد مع رفاقهما ، تحولت الخصومه مع الحكومة إلى علاقة طبيعية يسودها التفاهم ولكنها جرت على أسس ندّية ومتكافئة .

لا شك بأن الإصلاح مطلب عزيز على أبناء الوطن الشرفاء ، وقد ناضل من أجله الآباء والأجداد منذ نشأة الدولة الأردنية ، كان من أبرز أعمالهم إصدار الميثاق الوطني بتاريخ 25 / 7 / 1928 . ورغم مرور حقبة زمنية طويلة على إنشاء الدولة وتعاقب الحكومات ، إلا أن الإصلاح الحقيقي الذي يلبي طموحات اولئك الرواد الأوائل ، واجه الكثير من العثرات نتيجة لسوء النوايا وتخطيط المتآمرين .

وإذا ما أردنا تقييم حركة الشيخ ماجد العدوان بتجرد ، ووضعناها في سياقها التاريخي المناسب ، فسنجد أنها كانت حركة سياسية إصلاحية وطنية ، انبثقت من ضمائر مخلصة للأردن ، لم ترتبط بأية قوى خارجية ، بل صدحت بها حناجر الشرفاء من جبال البلقاء ، ليتردد صداها جنوبا في شيحان ، وشمالا في هضاب الكورة وجبال عجلون . فعمّقت الشعور الوطني لدى أبناء البلاد في ذلك الحين ، ولكنه ــ مع الأسف الشديد ــ اضمحلّ في العقود اللاحقة ، لدى أجيال نسيت أو أنسيت تاريخها المشرّف .

فما أحرانا هذه الأيام ونحن نقترب من الذكرى المئوية لتلك الحركة التاريخية ، أن نقف وقفة إجلال واحترام للشيخ ماجد العدوان ورفاقه من كل العشائر الأردنية الأبية ، ونترحم عليم جميعا باعتبارهم منارات وطنية ، عجزنا عن الاقتداء بها خلال جميع العقود الماضية .

ورغم أنني لا أطالب هنا بتكرار تلك التجربة العظيمة ، إلا أنني أتساءل في هذا المقام : لماذا يُطمس تاريخ هذا الزعيم الوطني ــ ماجد العدوان ــ ولا يرد له ذكر في المناسبات الوطنية أو يدرّس في مناهجنا التعليمية للنشء الجديد ، باعتباره رمزا وطنيا مثّل حقبة معينة من تاريخ الأردن الحديث ؟

في الختام أقول لمن يخطط مسيرة الدولة الأردنية : إن قصة التاريخ التي كتبها شرفاء الأمة بالعرق والدماء لتحقيق أهداف نبيلة ، لا يمكن أن ينزعها من صفحات الوطن ، جاحد أو مزور للتاريخ . . !


* * *

التعليقات
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012