أضف إلى المفضلة
الجمعة , 14 حزيران/يونيو 2024
الجمعة , 14 حزيران/يونيو 2024


غزة باقية والاحتلال إلى زوال

بقلم : بهاء رحال
25-03-2024 06:31 AM

كانت منذ الأزل مدينة عصرية، ذات مهابة وحضور أخاذ، تحط على شاطئ البحر المتوسط بكامل جمالها وبهائها، وأرست حضارتها بعمق التجربة والتكوين منذ قديم الزمان، وبدت عبر كل العصور كما هي الآن عصية، قصيّة، متمردة، ففي مزاجها تكوين سحر خاص يجمع بين الحرية والغموض، وفي داخلها فضول التجربة والغوص بلا تردد نحو العمق، متكبرة كما لو أنها وحدها تمتلك سحر المتوسط، تبحر بلا خوف ولا رجفة، وتغوص نحو القاع لا لتبحث في بقايا الأولين، بل لتجدد زمان المعجزة. وهذه معادلة لا يفهمها الأعداء، حديثي العهد، ومضطربي الولادة مهما بلغت دموية حربهم وحقدهم، ومهما تعددت فصول جرائمهم، في هباء البحث عن هوية التكوين المفقودة من نصيب أسفارهم، فعادة المدن الكبرى أنها لا تلغي نفسها أمام مشهد، وإن وقفت محتارة لبعض الوقت، تتأمل ما حولها، فهي تقبض على نصيبها من الحرية لأنها جربت الاستغناء. هكذا تقوم ثانية على ساق متعبة، وتجبر الأخرى مرة تلو المرة لتقف من جديد، وهي ترمم ما حطمه الأوغاد في ثنايا الوقت الناقص، وتطمئن إذ ترى موج البحر يضحك لها من بعيد، وتبتسم لسماء ترقص غيمة غيمة، وتغضب كلما ذاقت مرّ الخذلان.

غزة التي تجيد رسم ذاتها بأبدع الصفات، تجيد أيضًا وسم أيام الآخرين بما يليق بهم، لكنها تفضل الصمت لأنها تهوى لنفسها هذا العلو السماوي على هبوط البقية، فلا تراها تلتحق بأحد، بل تستقل بذاتها، لتصل ماضيها بغدها مهما كان حاضرها صعبًا، ومهما اشتد عليها الألم.

غزة التي تعيش حرب الإبادة التي تريد قتلها، بل طمسها عن خريطة العالم بقوة البارود وحمم النار التي أسقطها الأعداء عليها كما لو أنها قطعة من جهنم، وأرضًا محروقة فاقدة لكل الأشياء. ستقوم ثانية من تحت هذا الدمار وهذا الخراب الذي حل بها، وستنهض كالعنقاء رغم بشاعة ودموية حرب الإبادة الجماعية التي تتعرض لها، في حرب لا مثيل لها، تعدت كل أخلاقيات الحروب وكل ضوابط القتال، وكل الشرائع والعقائد والقوانين، فهدمت المساجد والكنائس، ودمرت المكتبات العامة والخاصة، وأحرقت مراكز الآثار والتراث، وهدمت البيوت على ساكنيها، وحتى مراكز وكالة الأونروا لم تسلم وموظفيها، والمستشفيات والمراكز الصحية والجامعات والمدارس والمعاهد والبنى التحتية، وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وتفاخر الجنود بما أحدثوه من خراب عبر تسجيلات بالصوت والصورة، في مشاهد كشفت اللثام عن مدى العنصرية التي تسكنهم.

إنها غزة الجميلة والجريئة، القادرة على النهوض والبقاء، الرافضة للانحناء، المتمردة من دون تردد، المتوددة بقلب جسور لصغارها وأطفالها وناسها، المستعدة لغدها القادم، الناسكة، المبتهجة لشغف العيش، الصابرة في وجه ظلم الأعداء، العصية على الكسر، التواقة للحياة.

القدس الفلسطينية

وهذه غزة التي لها سحر خاص، ولها فلسفتها في الحياة، وتجليات حضورها الكامل على شاطئ المتوسط.


التعليقات

لا يوجد تعليقات
تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
بقي لك 300 حرف
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012