أضف إلى المفضلة
الأحد , 16 حزيران/يونيو 2024
الأحد , 16 حزيران/يونيو 2024


وصفي التل ... القائد والانسان

بقلم : د. هيثم علي حجازي
28-11-2014 09:48 PM
كنت قد بدأت قبل فترة في مشروع إعداد كتاب عن شهيد الوطن المرحوم وصفي التل، ولم يزل هذا المشروع في مراحله الأولى ... اليوم، وفي ذكراه، اخترت من هذا مشروع الكتاب بعضا من مواقف الرجولة التي اتصف بها وصفي.

مزرعة قصر الحلابات
كان وصفي قد عمل على انشاء مزرعة له في منطقة قصر الحلابات. قبلها كان قد بدأ المحاولة في منطقة وادي الحجر لكنه لم يوفق، فقرر أن يغير المكان، وانتقل الى منطقة قصر الحلابات، وبعكي الناس الذين لم يكونوا مهتمين بإقامة مثل تلك المشاريع في منطقة الحلابات لانهم يعتقدون أن الصحراء لا تفيد. هناك، بدأ عملية الحفر، فتدفقت المياه على عمق 64 مترا في حين كان الناس يحفرون على عمق 190 مترا ولا أثر للمياه.
كان يذهب صباح كل يوم الى قصر الحلابات ليتابع المشروع. هكذا أطلق على المزرعة اسم مشروع. كان يمر على (فرن الوفاء) في الزرقاء فيشتري الخبز للعمال وقد تعوّد صاحب المخبز على مروره اليومي، ولم يكن يتناول الإفطار في منزله، بل كان يكتفي بشرب القهوة فقط. وحينما كان يصل إلى المزرعة كان يأكل الخبز الحاف مثله مثل العمال، كان يقول لمرافقه:
- شايف يا خالي .. الواحد بس يصل هان يجوع ... لو يحطولي العسل ما أستلذه ... لكن هالخبز مثل العسل وأطيب منه
كان العمال يفطرون الزيتون، وكان يأكل معهم وهو متربع على الأرض ويقول:
- هالزيتون لذيذ مع البندورة الفغش وزر البصل
وقد استغرق الأمر طويلا. لا يوم ولا اسبوع ولا شهر، وكان رحمه الله يلبس البذلة الخاكي وحذاء أبيض، وكان حين يصل إلى المزرعة يعطي توجيهاته إلى العمال كل حسب طبيعة عمله. لم يكن هناك أي تصنّـع في تصرفاته ... كان يأخذ غذاءه معه من البيت أو كان يشتري علب البلبيف.
اشترى براكية من نادي الصيد الملكي، ورفض أن يأخذها على سبيل الهدية، وعلى الرغم من أنه نصب البراكية، فإنه لم يكن يجلس بداخلها. كان يجلس على الارض في الخارج ويفتح كيس الطعام ويتغدى ... في كثير من الأحيان كان مرافقه يتضايق من الأكل بسبب وجود التراب فيه وكان يقول له:
- سيدي خلنا نروح على البراكية ليش اشتريناها
وكان يجيبه:
- معلش مهي مش محرزة ... ناكل هاللقمة ونقوم
ويبادر الى غسل الصحون قائلا لمرافقه:
- شوف ... هان كلنا واحد مثل بعض ... انت بتعرف شغلة بتسويها ... انا بعرف أسوي شغلة وانت ما بتعرف كيف تسويها بسويها أنا
بقي على هذا الحال لمدة سنتين، حينما شكل حكومته سنة 1971 ... كان يواجه صعوبات على الطريق، وقد أُطلقت النار عليه في ياجوز ذات مرة ... أما عن غسيل الصحون فتلك قصة أخرى ... كان يحضر التراب، ويفرك الصحون به ويقول:
- هذا هو السّيرف الجديد
في تلك الفترة كانت قد ظهرت في الاسواق مادة لغسيل الجلي اطلق عليها اسم السيرف ... كان يعود في المساء والغبار يكسوه من رأسه إلى أخمص قدميه، والصحون موضوعة في أكياس بلاستيكية، وقد كانت تلك الاكياس في بدايات استعمالها ... كان يقول لزوجته مداعبا:
- هذه الصحون مغسولة بالسيرف الجديد
وكانت تستغرب وتساله:
- ليش في سيرف جديد؟
- طبعا ... ما الاردن كلها سيرف جديد
أكثر ما كان يثير اهتمام العمال وتعجبهم وصوله المبكر في الساعة السابعة صباحا اللى المزرعة، وهو يسكن في الكمالية على بعد (65) كيلو مترا ... كان يصل في كثير من الاحيان والعمال ما يزالون نائمين، إذ يكون مستعدا لمغادرة المنزل منذ الخامسة والتصف صباحا.
ذات يوم تأخر في المزرعة، حيث كان يشرف على تمديد المواسير من السابعة صباحا وإلى ما بعد السابعة مساء .... بعد أن ركب في السيارة كان متعبا، وقال:
- أبييييه ... تعب
تحركت السيارة على الطريق الترابي والغبار حوله حتى اضطر السائق لتشغيل المساحات لازالة التراب عن الزجاج ... وقال له:
- هذا ارهاق عليك يا سيدي
- كيف يعني؟
- ليش ما بترتاح أثناء النهار؟ ليش اشتريت البراكية؟ اقعد فيها على الاقل أثناء الغذا وارتاحلك ساعة زمان فيها ... البراكية براس التلة ومشرفة على المشروع
التفت إليه وكان يجلس بجانبه في بالسيارة كما هي عادته دائما وقال:
- شوف يا خالي ... أوعى تصدق انه في ألذ من الشغل بالدنيا اللي الله خلقها ... الشغل مَـليح ... وأنا والله ما هو الاّ تشجيع لأهل ديرتنا ... أنا من وين بجيب المصاري تبع المزرعة يعني؟ من القاصة تبع أبوي؟ ما انت عارف البير وغطاه (كان يقصد أنه استدان قرضا من مؤسسة الاقراض الزراعي للانفاق على هذا المشروع) ... لكن بدي أشجع أهل ديرتنا وأثبت لهم انه هاي الأرض اذا تعبنا عليها مثل ما بدنا منها بدها منا ... لذلك انت عارف ... خالصة ... لكن انا بعتبر كل الشباب الاردني كلهم اولادي (كان يقصد انه ليس لديه ولد او ابنة ليرثوه)
الجاغوار والمرسيدس
ذات يوم تعطلت سيارة الجاغوار التي كان يملكها وصفي، واضطر هو وسائقه أن يقوما بدفع السيارة حتى دار محركها. في اليوم الثاني أرسل جلالة الملك الحسين رحمه الله لوصفي سيارة فخمة مع سليمان مرزوق الذي كان يعمل سائقا خاصا لجلالته. وحينما شاهد وصفي السيارة الفخمة قال:
- الجاغوار مشكلتها بسيطة ... مشكلة بطارية ... بس مش قادرين نصل (أبو الروس) نشتري من عنده بطارية بسبب الأوضاع.
ثم التفت إلى مرافقه وقال له:
- خالي ... هذي السيارة ترجعها وتجيب بدلها أي سيارة مستعملة ... مش وقته نركب سيارات مثل هذي ... والله ما كنت بحلم أركب بسيارة هيك ... نرجعها ويبعثولنا سيارة مرسيدس نستعملها لبين ما نجيب بطارية
وفعلا، تم إرجاع السيارة، وأرسلت له بدلا منها سيارة مرسيدس 300 مستعملة.

محاولة اغتيال وصفي
أّطلقت النار على وصفي ثلاث مرات ... مرتين كانتا عابرتين، أما المحاولة الثالثة فقد كانت جسيمة، إذ اصيبت السيارة التي كان يركبها وكانت من نوع رينو 16 ... كان رحمه الله يذهب مبكرا جدا صباح كل يوم الى مزرعته في منطقة قصر الحلابات. وكانت توجد قاعدة للفدائيين على طريق ياجوز بجانب مجموعة من أشجار الحور. وكان يشاهد أثناء مروره اليومي فدائيي تلك القاعدة وهم يمارسون الرياضة الصباحية، وكان يرتدي دائما الشماغ الأحمر على رأسه، في حين كان سائقه يضع الطاقية العسكرية. في أحد الأيام كان وصفي يريد العودة الى بيته ليستريح ويغير ملابسه ثم الذهاب الى منزل شخص اسمه (طريف الأيوبي / والده كان رئيس وزراء أسبق في سورية) لحضور اجتماع مع بعض قيادات المقاومة الفلسطينية عند طريف الذي كان بمثابة وسيط بين الحكومة والفدائيين. وأثناء عبوره مساء ذلك اليوم طريق ياجوز، ولم تكن معه حراسة، فهو لم يكن حينها رئيسا للوزراء، وعند وصول السيارة أحد المنعطفات، بدأت تنهال عليه رماية من أسلحة رشاشة ثقيلة ومن كافة الاتجاهات. أراد السائق التوقف للرد على مصادر النيران، لكن وصفي رحمه الله رفض ذلك وقال له:
- اسحب خالي اسحب ... الشطارة انك تنام على راسها (وهو يريد بذلك ان الخيّـال الماهر حين يريد ان يزيد من سرعة فرسه فإنه ينحني على راس الفرس وكأنه ينام عليها).
تمكن السائق من اجتياز موقع اطلاق النار بسلام إلى أن وصلت السيارة إلى منطقة قريبة من موقع وزارة التعليم العالي حاليا. طلب وصفي التوقف هناك، ونزل برفقة سائقه ليتفقد آثار الاعتداء. وعندما أشار السائق إلى مكان الطلقات على جسم السيارة، قال وصفي له:
- يا خالي ... هاي فوضى ورامية طنابها ... كل اللي بصير انا حكيته للملك وقلت له: هذي عقدة بنحلها اليوم بايدينا، وبكره بأسناننا، واللي بعده منلجأ للسلاح ... على كل حال لا تجيب سيرة لأحد عن اللي حصل معنا.
تابع وصفي سيره، وعند موقع وزارة التعليم العالي الحالي بالضبط، كان هناك حاجز للجيش الاردني. توقفت السيارة عند الحاجز امتثالا لإشارة من الجنود الموجودين هناك. طبعا عرفوا وصفي، فسألوه عن أصوات الرماية، فقال لهم وصفي:
- - هذه مجموعة من المقاومة يبدو أنهم يتدربون
فقال الضابط:
- خايفين بكره يتدربوا علينا يا باشا
ضحك وصفي وأجاب:
- لا لا ... بدهم يتدربوا خليهم يتدربوا، ونحن نتدرب أيضا
لم يكن يريد أن يعرف احد، وبخاصة الجيش، ان النار أُطلقت عليه لأنه كان يخشى أن يقوم الجيش بالرد أو مهاجمة مواقع الفدائيين، وهذا هو السبب في أنه توقف قبل الحاجز ليتفقد السيارة بعد اطلاق النار عليه.

تمرد قطعة عسكرية
في اليوم الثالث الذي تلا حادثة الاعتداء تلك على وصفي توجه الى قصر الحمّـر بناء على مكالمة هاتفية تلقاها من المرحوم أحمد الطراونة. وصل الى القصر وكان هناك كل من حميدي الفايز، ومحمد كساب، وعبد الله زريقات، وغيرهم. ولم يخبرهم وصفي بما حصل معه. اجتمع معهم لفترة من الوقت، وبقي هناك الى ما بعد الظهر، وقد كان ذلك قبل وقوع احداث ايلول بحوالي اسبوعين تقريبا.
في الأيام التي تلت ذلك الاجتماع أخذ الوضع يزداد توترا، وصار يتردد على الحمر أكثر فأكثر. ثم قام عدد من الفدائيين بدخول أحد الأحياء في عمان والاعتداء على المواطنين، فأصدرت الحكومة بيانا حول ما جرى، وقد أدى صدور البيان الى حدوث تمرد في إحدى قطعات الجيش، فتوجه الامير الحسن والشريف زيد بن شاكر، رحمه الله، الى موقع التمرد لانهائه، ولكنهما فشلا في ذلك. في تلك الأثناء كان وصفي قد غادر الحمر عائدا الى منزله، ولم يكن لديه عِـلْم بما جرى، لكن أثناء عودته إلى المنزل بالسيارة سمع من الإذاعة الأردنية بيانا حول ذلك فغضب لصدور مثل هذا البيان.
حينما وصل البيت، اتصل هاتفيا مع أحمد الطراونة الذي كان ما يزال في الحمّر، وقال له:
- شو البيان اللي أطلعتوه هذا؟ أخبـِـر جلالة الملك أنه بسبب هذا البيان الجيش سيتمرد وستعم الفوضى ... هذا البيان غلط ... هل فكرتم في عواقبه؟
بعد ذلك دخلت مجموعة من السيارات المسلحة إلى بيت وصفي بقيادة رائد اسمه (شتيوي) وكان ينادي بصوت عال:
- وين الباشا ... وين الباشا ... بسرعة ... الجيش ... سيدنا بدو يزور الجيش
وأطل وصفي من الشباك وسأله:
- شو في ؟
- سيدنا يريدك
ارتدى وصفي ملابسه على الفور، واتجه نحو الحمر برفقة السيارات المسلحة، ليرافق جلالة الملك الحسين رحمه الله في زيارته إلى قطعة الجيش المتمردة. حينما وصل وصفي بمعية جلالة إلى الموقع تحدث إليهم قائلا:
- اذا كنتم تنظرون للموضوع من زاوية فإن سيدنا ينظر من عدة زوايا، ولذلك سنتقصى الحقائق حول هذا الموضوع، وإذا كان ما قيل قد حصل فعلا فاننا لا نقبل بما حدث وكرامتنا فوق كل اعتبار ... أنا مش سياسي، وأنا عسكري مثلي مثلكم ... أنتم جيش نظامي، ولا يجوز أن نتصرف بمثل هذه الطريقة ... نتحلى بالهدوء.
وفعلا، فقد هدأت نفوس الجيش.

لقاء مع قيادات المقاومة الفلسطينية
قبل احداث ايلول بشهرين، زارته عند الساعة 9:30 مساء مجموعة من قيادات المقاومة في منزله، منهم: صلاح خلف، واحمد عفانة، وابراهيم بكر، وكان هناك أيضا المرحوم كمال الشاعر وجمال الشاعر وآخرون. وبقوا عنده حتى الساعة 2:30 فجرا. وعند مغادرتهم قال له صلاح خلف:
- يا ابو مصطفى: أنت عاصرت هذه القضية قبلنا وعشتها وخبرتها، ونتأمل أن تكون بجانبنا
- بالحق !!
هكذا أجابه وصفي، وتابع موجها كلامه للجميع:
- الذي يشغل فكري ولا يروق لي بالقيادات الفلسطينية أنه ما دام هدفكم واحدا فلماذا توجد 14 منظمة فدائية في عمان؟ على إيش بدهم يتفقوا وكيف؟ وبالمناسبة، انتم كتبتم قبل مدة أن وصفي التل شكل منظمة ضد العمل الفدائي. وبحب أخبرك انه هذا الكلام غير صحيح، ولو كنت شكلت مثل هذه المنظمة فإن عندي من الشجاعة أن أعلن ذلك. لكن لو صار خلاف بين الحيش والمنظمات فأين سيكون مكاني الطبيعي؟ جاوبوني أنتم.

التعليقات

1) تعليق بواسطة :
28-11-2014 10:25 PM

الله يرحمك ياوصفي كنت ومازلت مدرسه لك محب لهذا الوطن الصغير العظيم الذي اعطى الجميع ، اللهم احفظ الاردن اللهم احفظ الاردن وعليك بجميع اعداءة

2) تعليق بواسطة :
28-11-2014 10:31 PM

لكل زمان دولة و رجال . اين رجال هذه الايام؟؟؟

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
بقي لك 300 حرف
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012