أضف إلى المفضلة
الجمعة , 19 تموز/يوليو 2024
الجمعة , 19 تموز/يوليو 2024


لبنان: مرة أخرى.. صدقية مجلس النواب على المحك؟

بقلم : بشارة مرهج
24-03-2023 12:04 PM

وأخيراً، أي بعد ثلاث سنوات على انفجار أكبر أزمة مالية واقتصادية في تاريخ لبنان والمنطقة ، قرر مجلس النواب الانتقال إلى العمل الجدي واستدعاء وزراء ومديرين وموظفين ومقاولين ، وفي مقدمهم حاكم البنك المركزي ، لمساءلتهم حول اعمالهم وقراراتهم واستثماراتهم التي تسببت، مع سواها، بذلك الأنفجار الذي ينعكس اليوم مأساة لا حدود لها ، يدفع ثمنها اللبناني الذي وثق بالمصارف وأودع لديها جنى حياته ليكتشف انها لم ترع الامانة بالأمس ولا تكترث بتصحيح الأوضاع اليوم، بل تستمر مع الحاكم بأمره في استخدام التضخم، الذي ينزع اللقمة من فم الطفل والدواء من يد المريض ، لتخفيض ديونها والفوز بكل الفوائد العالية التي غنمتها عليها منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي وأودعتها تباعاً في ملاذات خارجية “آمنة” .
إن المجلس بقراره هذا يتخذ مساراً محفوفاً بالمخاطر لأن من سيتصدى له ليس حفنة من المصرفيين او مواقع معزولة في الادارة ، وانما شبكة جهنمية متعددة الرؤوس واسعة النفوذ لها اتباع في كل مكان، ومن بينها مجلس النواب نفسه والاعلام ومختلف أجهزة الدولة والقطاع الخاص .
والمجلس الذي استفاق على ” المنهبة” التي تجري على رؤوس الأشهاد سيكتشف أن معظم القوانين التي سنّها لا يؤخذ بها، وأن معظم مؤسسات الدولة لا تعمل ، وإن الحاجة تكمن في تنفيذ القوانين وتفعيل القضاء متابعةً للتحقيقات وإصداراً للأحكام، كما تكمن في إلزام الحكومة تبني الاصلاحات المطروحة والكف عن خدمة الأكثر فساداً في المجتمع والتوجه الى مراجعة الذات حتى يتوقف النهج المخزي الذي لا زلنا نشهد فصوله في أكثر من موقع .
ولا يفوت المجلس الكريم ، مترقباً توافق الخارج على أسم الرئيس العتيد، أن يحاول النهوض لمعالجة جوانب من المأساة فيبدأ في مراجعة الذات ، شأنه شأن الحكومة، ليكتشف كم كانت الفرص الضائعة ثمينة، وكم كانت المبادرات المطلوبة مفقودة، فيحاول انقاذ ما يمكن انقاذه بالمساءلة ووضع المعنيين أمام مسؤولياتهم .

وحتى لا نضيع في صخب الأحداث ومرويات الأطراف وانكار المعتمدين وضغوط الكواليس لا بأس من إفتتاح المجمع المرتقب انعقاده بأسئلة يتلهف الجمهور، لسماع ردود المسؤولين عنها لإسقاط الغموض وكشف الحقيقة بشأنها لما لذلك من أثر مهم في معرفة ما جرى ومن المسؤول وكيفية النهوض من المستنقع الرهيب.
وخلال السنوات الماضية طرح الرأي العام العديد من الاسئلة الأساسية دون أن يحظى بجواب يروي الغليل ويضع العربة التائهة على مسارها الممكن . ومن هذه الأسئلة المحورية أذكّر بالآتي وإن كان سواها موجود ولا يقل أهمية عنها .
أولاً: لماذا لم يصدر حتى الآن التقرير المتعلق بالتحقيق الجنائي لحسابات البنك المركزي على الرغم من أن موعد الصدور قد تم تخطيه عدة مرات ، ومن هو المسؤول عن عرقلة تسليم المعلومات التي تبلور الصورة وتكشف الحقيقة وتفتح الطريق أمام أتخاذ قرارات طال انتظارها في كل الأتجاهات القضائية والأقتصادية .
ثانياً : ما هي حقيقة الهندسات المالية ولماذا لا يكشف حاكم مصرف لبنان ومعه أصحاب المصارف عن ملابسات هذه الهندسات وكلفتها الباهظة على المال العام . وهنا أذكّر بموقف النائب جورج عدوان – رئيس لجنة العدل النيابية – الذي طالب عام 2017 بتشكيل لجنة تحقيق برلمانية للتدقيق بحسابات مصرف لبنان، ذلك الموقف الذي جرى اهماله قبل ان يجف حبره.
ثالثاً : لسؤال وزارة المالية فيما إذا كانت شركة ” فوري ” التي يملكها رجا سلامة شقيق رياض سلامة التي ” حظيت ” بثلاثماية وعشرين مليون دولار ” أرباحاً ” من خزائن الدولة قد دفعت الضرائب المترتبة عليها الى مصلحة الضرائب أم لا . بعد ذلك لا بأس من توجيه السؤال حول شرعية هذه الأرباح وهل تم كسبها بالنفوذ أم بالحلال . وبالمناسبة فأن لجنة المال والموازنة النيابية ينبغي ان يكون لديها معلومات بهذا الشأن مما يسهّل المساءلة واستخراج الحقائق واستباق التحقيقات الأوروبية التي يمكن ان تستهلك الوقت نظراً لأنشغال المجتمع الأوروبي بمشاكله المالية والسياسية والأمنية فيما نحن بحاجة ماسة لمعرفة الحقيقة للانطلاق سريعاً على طريق المعالجة .
رابعاً : هل أنجزت المصارف مهمة الرسملة التي ندبت نفسها لها والتي أصر عليها حاكم البنك المركزي في تعميماته الأولى محددا لمهل تم أهمالها.
خامساً : لسؤال حاكم البنك المركزي ووزير المالية عن حجم الكتلة النقدية ومن سمح بزيادتها الى مستويات خيالية خلال وقت قياسي مما ألهب الأسواق ورفع الأسعار وترك الناس فريسة الجوع والمرض .
سادساً : لسؤال بعض أصحاب المصارف فيما اذا كانوا في بداية الأزمة عام 2019 قد سهلوا لأصحاب الرساميل سحب ودائعهم أو تحويلها الى الخارج عندما كانت البنوك مقفلة بالتفاهم بينها وبين الحاكم والحكومة .
وبعد ثمة أسئلة كثيرة في الذهن يمكن طرحها خاصة فيما يتعلق بالقرارات الفردية للحاكم وأخرها القرار المفاجئ باضافة 16 مليار دولار للدين العام ، بدون أي مسوغ قانوني ، علماً بأن قراراً أسطورياً من هذا النوع يحتاج الى مناقشات ومداولات ومشاركات لم تخطر في بال الحاكم، أما لاستهتاره بالجميع وأما لجهله ، لا سيما أن معرفته بالشؤون المالية والنقدية محدودة كما تبين من التجارب المأساوية التي أدخل الأقتصاد اللبناني في لجتها بالتعاون مع أصحابه في المصارف ومؤسسات الدولة .
إلى ذلك، ثمة أسئلة كثيرة تخص أعضاء المجلس المركزي ومفوض الحكومة لدى البنك المركزي ولجنة الرقابة على المصارف وهيئة التحقيق الخاصة فضلاً عن وزراء المالية المتعاقبين الذين فاتهم أن يمارسوا حق الرقابة الحكومية على أعمال البنك المركزي ونشاطاته .
يبقى من الضروري القول بأن الرأي العام يريد من المبادرة المعلنة من مجلس النواب أن تأخذ طريقها الى التنفيذ مصحوبة بالحزم والالتزام والشفافية في مقاربة الظواهر التي حولت الليرة اللبنانية الى المستودعات الرديئة وحوّلت المسؤول اللبناني الى متسول للقروض والمساعدات والمواطن اللبناني الى كائن يعيش ما تبقى من حياته على صفيح حارق لا يرحم الصغير ولا الكبير .
وزير لبناني سابق

رأي اليوم

التعليقات

لا يوجد تعليقات
تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع كل الاردن بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع كل الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
بقي لك 300 حرف
جميع الحقوق محفوظة © كل الاردن, 2012